نهر ميديا – فاطمة الهادي
في أكتوبر، تتزين المدن السورية باللون الوردي، تُضاء الشاشات بالشعارات، وتُرفع الرسائل الداعية للفحص المبكر لسرطان الثدي. لكن في دير الزور يغيب هذا اللون، لا أحد يرفع الشعار، ولا أحد يتحدث عن الفحص. هناك، تنطفئ القصص بصمتٍ، لأن الخوف من كلمة “سرطان” ما زال أقوى من أي توعية، والجهل بالمرض يجعل النجاة منه أشبه بالمصادفة.
رغم مرور سنوات على إطلاق حملات التوعية بسرطان الثدي في سوريا، ما زال الوعي حول الفحص المبكر غائبًا عن مناطق واسعة كدير الزور وريفها. فمع ضعف الخدمات الطبية وغياب المراكز المتخصصة، تزداد الحالات التي تُكتشف في مراحل متأخرة، لتتحول فرصة النجاة إلى سباق مع الزمن.
النساء هنا لا يجدن أمامهن سوى الصدفة لاكتشاف المرض، وغالبًا بعد فوات الأوان، إذ لا وجود لمراكز مختصة، ولا برامج توعية دورية، ولا دعم يوازي الحاجة الفعلية. حتى الحملات الوطنية، التي طالما سُمعت أخبارها، لم تصل بعد إلى هذا الركن النائي، ليبقى الكشف المبكر حلمًا بعيدًا ومكلفًا.
في هذا التحقيق الصحفي، نسلط الضوء على واقع الفحص المبكر لسرطان الثدي في منطقتنا، ونتتبع شهادات نساء كنّ ضحايا الجهل وقلة التوعية، لنكشف أثر غياب المراكز والخدمات الصحية، والتحديات التي تواجه النساء في سبيل الوقاية والعلاج.
وعي محدود
كانت ليلى عبد الرحمن، البالغة من العمر 45 عامًا، عازبة وتعيش حياة هادئة بين أسرتها الصغيرة، تمارس مهامها اليومية المعتادة، وتعتني بوالدتها المريضة. لم يكن في حسبانها يومًا أن شعورًا بسيطًا بالوخز في صدرها سيقودها إلى تجربة جديدة ومختلفة في حياتها .
تقول ليلى بصوت هادئ ومليء بالمشاعر:
“لم أفكر من قبل بالفحص الدوري أو الكشف المبكر، لم أكن أعلم أهميته. شعرت بوخز خفيف في صدري وحاولت تجاهله، معتقدةً أنه مجرد التهاب أو إرهاق لا يستدعي القلق، لكن قلبي لم يكن مطمئنًا.”
مرت أيام على هذا الشعور، وكل يوم يزداد الخوف داخلها، لكنها لم تجد ما يحثها على الفحص، لا حملات توعية، ولا نصائح من العائلة أو المجتمع. تقول:
“لم يكن هناك من يخبرني أن هذه الإشارات الصغيرة قد تكون بداية لمرض خطير. كل ما كنت أسمعه هو التحذيرات العامة، لكنها لم تصل إلى الواقع الذي أعيشه هنا .”
بعد أيام من التردد، قررت أخيرًا زيارة طبيبة داخلية في المدينة، والتي أجرت لها الفحوصات الأولية وأوصت بصورة الماموغرام بشكل عاجل. تضيف ليلى:
“الطبيبة كانت لطيفة جدًا، تحدثت معي بهدوء وطمأنتني، وقالت لي إن الكشف المبكر قد ينقذ حياتي، وهذا الكلام فتح أمامي نافذة الأمل، ودفعني للتحرك فورًا.”
وعندما أظهرت النتائج وجود ورم في منطقة الثدي في بدايته، لم تنتظر ليلى طويلًا، بل رتبت أمورها وسافرت إلى دمشق لتبدأ رحلة العلاج. تقول:
“كنت خائفة جدًا، لكن رؤية ثقة الأطباء في فرص الشفاء جعلتني أتمسك بالأمل. أخي أحمد كان بجانبي طوال الوقت، دعمه كان سندي الحقيقي.”
واليوم، وبعد أشهر من العلاج، تتحدث ليلى بابتسامة هادئة:
“أنا الآن أتعافى تدريجياً، وأدركت أهمية الكشف المبكر الذي لم يخطر ببالي أن أقوم به يوماً، ليتني كنت أكثر وعياً فيما يتعلق بالفحص الذاتي للنساء ولكن الحمدلله على كل حال.”
خطر التجاهل
لم تكن “أم محمد” تعرف أن كتلة صغيرة في صدرها ستغيّر حياتها بالكامل، ظنّتها في البداية مجرد إرهاق عابر من تعب أعمال البيت أو حمل الأغراض، فتجاهلتها لشهور طويلة.
تقول وهي تستعيد بدايات القصة:
“دائماً ما كنت أسمع عن سرطان الثدي في التلفزيون أو مجالس النساء، مجرد حديث عابر ونبدأ بالبسملة والحوقلة منه، ثم ندخل بأحاديث الطبخ والتنظيف وننسى الأمر ، كنت أسمع عنه سمع، ولم يخطر ببالي يوماً أن أعيش التجربة بنفسي.”
اكتشفت أم محمد تغيّراً في شكل الثدي أثناء الاستحمام، لكنها أخفت الأمر عن زوجها وأولادها خوفاً من القلق.
عندما توجهت إلى المركز الصحي المحلي في مدينة البوكمال، وجدت أن المكان غير مجهز لمثل هذه الحالات، فحوّلوها إلى طبيب مختص في مدينة أخرى. فأخبرت ابنتها الكبرى، التي رافقتها طوال الرحلة.
تتابع أم محمد تفاصيل صدمتها حين سمعت التشخيص:
“أخبرني الطبيب بنبرة صارمة: ‘أنتِ مصابة بالسرطان’. وفي مرحلة متقدمة أيضاً، لم يكن لدي أي تاريخ عائلي للمرض، وطالما لم يكن هناك أحد من أسرتي مصاب، لم أفكر أبدًا أن هذا سيحدث لي، كان الأمر صدمة حقيقية.”
دخلت أم محمد في حالة من الإنكار والحزن العميق، تتنقل بين الأطباء والمراكز الطبية بحثًا عن تشخيص مختلف، لكنها لم تجد إلا الحقيقة الصعبة. تقول:
“في النهاية، وجدت أنه يجب أن أتوكّل على الله، وأواجه الواقع بشجاعة أمام زوجي وأولادي، وأن أتحلى بالقوة لأتمكن من الاستمرار في العلاج.”
تم استئصال الثدي، وما زالت أم محمد تكمل العلاج الكيميائي، لتظل صحتها هشة ومتعبة حتى اليوم.
تختم أم محمد حديثها عن تجربتها بصوتٍ منخفض لا يخلو من الحزن، تقول:
“لم أكن أعلم أن الكشف المبكر قد ينقذ الحياة، لو كنت قد أجريت الفحص مبكرًا لوفرت على نفسي ألمًا كبيرًا.”
وقاية مفقودة
ختام (38 سنة)، متزوجة ولها ابنتان، تعيش في ريف البوكمال، تتحدث بصوتٍ يحمل القلق والخوف: “لطالما سمعت عن سرطان الثدي، لكن لم أعرف أبدًا كيف أفحص نفسي، ولا أين أجد مركزًا يمكنه القيام بذلك. أقرب مستوصف صحي يبعد ساعات عني، وكلفة السفر تفوق إمكانياتي .”
تصف حياتها اليومية بصعوبة: “بين الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، غالبًا ما أؤجل أي فكرة عن الفحص، وأشعر أن المجتمع لا يشجع النساء على الاهتمام بصحتهن إلا عند الضرورة القصوى. بعض الحملات التوعوية تصل إلينا عبر بوسترات محدودة أو كلام عابر، لكنها لا تكفي لرفع مستوى الوعي”.
تضيف ختام: “أعرف أن الكشف المبكر قد ينقذ حياتي، لكن في غياب الدعم والمراكز الطبية، يبقى كل شيء مجرد معرفة سطحية. أشعر أحيانًا بالقلق والخوف، خاصة عندما أسمع عن نساء اكتُشف لديهن المرض في مراحل متقدمة”.
وتختتم حديثها بنداء صادق: “أحلم بأن يكون هناك مركز قريب يقدم الفحص المبكر والإرشاد، ويشرح للنساء كيف يحافظن على صحتهن قبل أن يأتي المرض”.
الوقاية ممكنة، لكنها ضائعة هنا بين ضعف الخدمات الصحية وقلة الموارد، ونحن بحاجة لمن يهتم بصحة النساء قبل أن نصبح ضحايا الصدف”.
خدمات غائبة
تقول الممرضة هناء العلي، التي تعمل في أحد المستوصفات الصحية في مدينة البوكمال منذ أكثر من عشر سنوات
“في الواقع، لا يوجد اهتمام كبير فيما يتعلق بموضوع الكشف المبكر عن سرطان الثدي، هنا الخدمات التي نقدمها بسيطة جدًا، مثل لقاح الأطفال وبعض المعاينات العامة، لا يوجد أجهزة متقدمة أو برامج خاصة بالفحوصات النسائية. حتى التوعية، تقتصر على بوستر أو منشور معلق على الحائط، نادراً ما نقوم بنشاطات حقيقية توصل الفكرة للنساء. أغلب المراجعات يأتين لعلاج أمراض بسيطة أو لأخذ اللقاحات فقط .”
نصيحة طبية
تقول الطبيبة مها قاسم، طبيبة داخلية ومختصة بالأورام النسائية، “إن التأخر في الكشف المبكر عن سرطان الثدي يزيد صعوبة العلاج ويقلل فرص النجاة”
وتضيف: “كثير من النساء يأتين إلينا بعد ظهور الأعراض المتقدمة، وغالبًا حين تكون الخيارات العلاجية محدودة، الكشف المبكر ليس رفاهية، بل ضرورة، لكن نقص التوعية الصحية والمراكز المتخصصة يجعل العديد منهن يجهلن خطوات الوقاية والفحص الذاتي.”
تشير الدكتورة إلى أن المستوصفات والمراكز الصحية المحلية تحاول سدّ الفجوة بتقديم جلسات توعية بسيطة ، لكنها تؤكد أن هذا لا يغني عن دعم أوسع من الدولة والمجتمع المدني: “نحاول تعليم النساء كيفية مراقبة التغيرات في الثدي والإسراع بمراجعة الطبيب عند أي شك، لكن التحديات كبيرة، خصوصًا في المناطق النائية.”
وتختم الدكتورة مها: “تمكين المرأة بالمعرفة الصحية جزء من مسؤوليتنا المشتركة، فكل امرأة واعية لحالتها الصحية تساهم في إنقاذ حياتها وحياة من حولها.”
قد يكون اللون الوردي مجرد رمز، لكنه لا يختصر المعركة، فالتوعية الحقيقية تحتاج إلى ما هو أبعد من منشور أو شعار؛ تحتاج إلى ثقة، ومساحة آمنة، ووجود فعلي لخدمات الفحص والعلاج، وحتى يتحقق ذلك، ستبقى حملات الشهر الوردي جميلة في مظهرها، لكنها ناقصة في أثرها.
نهر ميديا نهر ميديا