نهر ميديا – فاطمة الهادي
في المنطقة الشرقية، ما بين دير الزور والميادين والبوكمال، تقف النساء عند مفترق طرق ضيّق، تحاصره البطالة من جهة، ونظرة المجتمع من جهة أخرى، تتشابه معاناة النساء رغم اختلاف ظروفهن، فالعازبة التي أنهت دراستها الجامعية وتحلم بالاعتماد على نفسها، والأم التي فقدت معيلها وتكافح لإطعام أطفالها، والمطلقة التي تحاول استعادة مكانتها، وحتى المتزوجة التي تسعى لتخفيف عبء المصاريف عن زوجها، كلهن يجتمعن على حاجة واحدة..العمل.
ليست الحاجة إلى العمل دائما بدافع المال فحسب، بل أحيانا رغبةً في تحقيق الاستقلال المادي والكرامة الشخصية، وفي إثبات أن للمرأة مكانا وقدرة تتجاوز حدود الأدوار التقليدية، ومع ذلك، تصطدم أحلام كثيرات بواقعٍ اقتصادي صعب، ومجتمعٍ لا يمنح فرصا متكافئة، ليبقى طموحهن معلّقا بين الرغبة في المضي قِدمًا، والخوف من نظرة الآخرين.
نقص الوظائف ليس المشكلة الوحيدة؛ المجتمع نفسه يفرض قيودا إضافية، النساء اللاتي يحاولن العمل في مجالات غير تقليدية يواجهن نظرات استهجان وأحكام مسبقة، ما يزيد إحباطهن ويجعل كل خطوة نحو الاستقلال صعبة ومؤلمة.
في هذا التحقيق الصحفي، نفتح ملفاتٍ غائبة عن الأضواء، ونستمع لأصوات نساءٍ حُرمن من فرصٍ عادلة، لنرسم صورةً حقيقية لواقعٍ أنثويٍّ مكبَّل بين البطالة والأحكام المسبقة، من واقع المنطقة الشرقية.
أرقام وتحليلات
تشير الإحصاءات والتقديرات الميدانية الصادرة عن منظمات دولية موثوقة مثل اليونيسف، إضافة إلى متابعة محلية للتقارير الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن نسبة البطالة بين النساء في دير الزور ومناطقها الريفية، كالميادين والبوكمال، تجاوزت في السنوات الأخيرة حاجز الخمسين بالمئة، في ظل تراجع فرص العمل وتقلّص النشاط الاقتصادي. وفي حين تبدو الفرص في مركز المحافظة أوسع نسبيًا وأكثر تنوعًا، فإن النساء في المناطق الريفية ما زلن يواجهن واقعًا أكثر ضيقًا، حيث تغيب فرص العمل التخصصية تمامًا، وتبقى خيارات العمل محدودة ضمن مجالات ضيقة أو مؤقتة.
من جهة أخرى، توفّر المنظمات الإنسانية والجمعيات النسائية العاملة في المنطقة بعض فرص العمل القصيرة الأمد للنساء، خصوصا في البرامج المعنية بتمكين المرأة والإغاثة المجتمعية، إلا أن هذه الفرص تبقى محدودة من حيث العدد والاستمرارية، ولا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياج الفعلي، مما يترك شريحة واسعة من النساء دون مصدر دخل ثابت أو دعم مستدام.
أما من منظور المجتمع المحلي، فتُجمع تقديرات ناشطات ومهتمات بالشأن العام على أن القيود الاجتماعية والثقافية ما زالت تشكل حاجزا أمام انخراط النساء في مجالات غير تقليدية أو مختلطة، وتبدو هذه القيود أشد حضورا في المناطق الريفية مقارنة بالمدينة، حيث لا تزال النظرة السائدة تجاه المرأة العاملة مشوبة بالحذر والانتقاد، رغم التحولات الاقتصادية التي فرضت على كثيرات السعي وراء الاستقلال المادي والمشاركة في إعالة أسرهن.
واقع قاسٍ
تعيش “سعاد” (37 سنة) في مدينة البوكمال أقصى شرق دير الزور، مع ثلاثة أولاد، بعد أن توفي زوجها حين كان معتقلاً في سجن صيدنايا، أصبحت هي المعيل الوحيد لعائلتها، وحملت على عاتقها مسؤولية ثقيلة تفوق طاقتها، على الرغم من أنها كانت خريجة علم اجتماع، لم تجد أمامها سوى فرص محدودة للغاية للعمل، وكان العمل لدى المنظمات الإنسانية هو النافذة الوحيدة التي أتاح لها الاستمرار والبقاء على قدميها.
تقول سعاد:
“النظرة المجتمعية للأرملة هنا، لا تختلف عن نظرة الناس للمرأة التي تعمل في أي مجال غير تقليدي، لم يهتم أحد من أين سأحصل على قوتي، بل كل همهم أنني امرأة أرملة، ومن غير المقبول أن أخرج للعمل في مجال مختلط، على الرغم من أنني كنت أرغب في العمل في مهنة مُحترمة، إلا أن المجتمع كان يضع عقبات غير مرئية أمامي.”
أكبر أولادها، البالغ من العمر أربعة عشر عاما، يحاول التوفيق بين دراسته وعمله في محل حلاقة، ليساعد والدته في توفير مصروف الأسرة ،وتضيف سعاد: “أحيانا أشعر بالذنب لأن الأولاد يتحملون أكثر من طاقتهم.”
يمثل كل يوم تحدياً جديداً للبقاء على قيد الحياة، وكل خطوة نحو تأمين لقمة العيش صعبة ومليئة بالضغط النفسي والاجتماعي، في مجتمع لا يمنح المرأة رحمة أو تسهيلات.
تقول سعاد بصوت خافت، وعيناها مليئتان بالحزن والقلق: “عملي في المنظمة كان بعيد عن مجال دراستي ورغم ذلك كنت سعيدة به، وكان الدخل يغطي على الأقل احتياجات الأولاد الأساسية.” ولكن مع توقف نشاط المنظمات في المدينة، فقدت سعاد مصدر دخلها فجأة، وبات وضعها أشد قسوة مما كان عليه قبل عملها.
أفق ضيق
بتول (25 سنة) من مدينة البوكمال، تروي قصتها قائلة:
“تخرجت من كلية الهندسة المدنية في دمشق قبل ثلاثة أعوام، التي كانت حلمي منذ الصغر وعدت إلى مدينتي وأنا أحمل معي الكثير من الحماس والطموح، كنت أظن أني سأبدأ مشروعي الخاص هنا، أو أجد فرصة عمل في مكتب هندسي يخدمني ويخدم منطقتي، لكن الواقع كان مختلفًا تماما.
تتابع بتول حديثها بنبرة مترددة:
“في البداية لم أجد أي مكتب هندسي فعلي في منطقتي، وإن وجد فغالبية العاملين فيه من الرجال، وكان واضحا أن المجتمع لا يتقبل فكرة أن تعمل فتاة في هذا المجال، سمعت عبارات كثيرة مثل: “الهندسة مهنة ميدانية، لا تليق بالفتيات”، أو “اختاري عملا أكثر هدوءا” وكأن سنوات دراستي وجهدي كانت بلا معنى.
تختم بتول قائلة:
“فكرت بالعودة إلى دمشق حيث الفرص أوسع، لكن ذلك لم يكن ممكنا، فعملي هناك يعني أن أعيش وحدي، وهذا أمر لا يقبله والدي ولا البيئة من حولي حاولت الانضمام إلى إحدى المنظمات الإنسانية التي توفّر فرصا للنساء، لكن أغلب مشاريعها تتركز في مركز المحافظة بدير الزور، أما في البوكمال فالحياة المهنية للنساء شبه متوقفة.”
وبين رغبتها في العمل وتمسّك أسرتها بالعادات، بقيت بتول عالقة في المنتصف، تستثمر وقتها بتصميمات بسيطة من بيتها على الحاسوب، وكأن الطريق أمامها انتهى عند حدود هذه المدينة الصغيرة.
استقلال محدود
تروي إيمان (24 سنة) من مدينة الميادين شرقي دير الزور بعد أن تخرجت منذ أربع سنوات من المعهد التقاني الزراعي، وكان لديها حلم بأن تعمل في مجال الزراعة أو الإدارة الزراعية، وهو التخصص الذي درست من أجله ، لكنها واجهت منذ البداية نظرة المجتمع التي جعلت من تحقيق هذا الحلم أمرًا صعبا، تقول إيمان:
“كنت أعتقد أنني سأتمكن من العمل في مجالي بسهولة، لكن الواقع كان مريرًا ، عندما أخبرت بعض الناس عن طموحي، كانت إجابتهم دائمًا: “كيف لكِ أن تتوقعي العمل في هذا المجال؟ هذا ليس مكانكِ.” وكان الأمر يبدو وكأن المجتمع بأسره يرفض أن أكون جزءًا من هذا المجال لمجرد كوني امرأة.”
لم تقتصر الصعوبة التي واجهتها على ندرة الفرص، بل تضاعفت حين بدأت تشعر أن الجميع يتوقع منها أن تقتصر على الأعمال التقليدية، تلك التي تقتصر على النسخ الثابتة لما هو مقبول اجتماعيًا ،وتضيف إيمان:
“كنت أرى أنني مؤهلة للعمل في مكان يناسبني، لكن بمجرد أن أطرح فكرتي للعمل، كان هناك دائمًا سؤال عن كيف يمكن لامرأة أن تعمل وسط الرجال في هذا المجال ، هذه الأسئلة كانت تصيبني بالإحباط. “
إيمان لا تزال تبحث عن فرص جديدة، لكن العقبات التي يفرضها المجتمع تجعل من حلمها صعب المنال، بينما تستمر التحديات الاجتماعية في حصر خياراتها، وتمنعها من التقدم كما كانت تتمنى.
أحلام عالقة
تقول هدى (26 عاما) من مدينة دير الزور:
“كنتُ أظن أنّ تخرجي من كلية الحقوق سيكون بداية الطريق نحو مستقبلي المهني، وأنّ الحصول على عمل لن يكون سوى مسألة وقت، غير أنّ الواقع كان أكثر قسوة مما تخيلت.”
منذ عامين تعمل هدى متدربة في أحد مكاتب المحاماة، دون أجر ثابت، وأحيانا تكتفي بمساعدات رمزية يقدّمها صاحب المكتب. تضيف قائلة:
“كنتُ أعتقد أنّ التدريب مرحلة مؤقتة، لكنّ المؤقت طال، وكلما حاولت افتتاح مكتب خاص اصطدمتُ بتكاليف مرتفعة وإجراءات معقدة، إضافة إلى غياب الدعم المادي أو المهني للنساء حديثات التخرج.”
ورغم أنّ دير الزور تُعدّ أفضل حالا من غيرها فيما يتعلق بفرص العمل، إلا أنّ هدى ترى أن الطريق أمام النساء ما زال مليئا بالعقبات. تقول:
“ما زال المجتمع متحفظا تجاه عمل المرأة في المجال القانوني، لا سيّما حين يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى أو التعامل المباشر مع الرجال. أحيانا تكفي نظرات الناس وحدها لثنيكِ عن المضيّ قدمًا.”
ثم تختتم حديثها بابتسامةٍ يغلبها الأسى:
“لا أريد الهجرة، ولا التخلي عن حلمي، كل ما أريده فرصة حقيقية لأثبت أنّ تعبي لم يذهب سدى، وأنّ المرأة قادرة على أن تكون شريكًا في بناء مجتمعها متى ما مُنحت الثقة والدعم.”
تمكين نسوي
في المنطقة الشرقية، تعمل بعض الجمعيات المحلية المتخصصة بالتنمية المجتمعية على دعم النساء عبر مشاريع صغيرة تمنحهن فرصة للعمل والاستقلال المادي، وتشمل مجالات مثل تصفيف الشعر، الخياطة، التطريز، والطهي، وتقوم أيضاً بتقديم العديد من الدورات التدريبية في مجالات عدة كتعليم اللغات، وإتقان العمل على الحاسوب وغيرها، ورغم محدودية هذه المبادرات من حيث العدد والاستمرارية، فإنها تمثل خطوة ملموسة نحو تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً، إذ تساعدهن على اكتساب مهارات جديدة والمساهمة في إعالة أسرهن، في بيئة لا تزال النظرة فيها إلى عمل المرأة متحفظة.
تُظهر هذه الجهود كيف يمكن للمبادرات المحلية أن تفتح نوافذ أمل صغيرة في مجتمعات ما زالت تحاصر النساء بالأعراف والتقاليد، خصوصا في المناطق الريفية، حيث تظل فكرة “المرأة العاملة” محاطة بكثير من الحذر والجدل.
قصص كثيرة تُروى بهمسٍ في الجلسات النسائية، عن أحلام توقفت عند عتبة الواقع، وطموحات ماتت بصمت، المرأة هنا لا تريد تحدي العادات أو فرض نفسها على المجتمع، تسعى فقط لمساحة صغيرة تثبت فيها قدراتها، وتحقق ذاتها، وتضمن حياة كريمة لها و لأولادها. رغم القيود الاجتماعية، ونقص فرص العمل، وصعوبة الظروف الاقتصادية، يبقى الأمل حاضراً في قلوبهن، وأن لكل واحدة منهن حلم ينتظر فرصة للتحقق، مجرد مساحة تمنحها الحق لتكون فاعلة ومُقدَّرة في مجتمعها.
فهل خُلقت النساء في المنطقة الشرقية ليبقين بلا فرصة، أم أن الفرصة خُلقت لتتجاهلهن؟
نهر ميديا نهر ميديا