فاطمة الهادي – نهر ميديا
في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور، كما في العديد من المناطق الريفية، تنهض النساء مع أول خيوط الفجر ليلتحقن بأعمال الأرض، يحملن أدواتهن بأيد أنهكها التعب، ويواجهن تحت الشمس الحارقة مواسم الحصاد والعناية بالمحاصيل. وحين ينتهي عملهن في الحقول، لا ينتهي نهارهن؛ فبيوتهن تنتظرهن بمهام أخرى لا تقل مشقة، طبخ تنظيف، ورعاية أطفال. هكذا تتوزع حياتهن بين الحقل والمنزل في دورة يومية لا تعرف الراحة، لتصبح معاناتهن خفية خلف ستار الصبر والصمت.
في هذا التحقيق الصحفي نسلط الضوء على ما تواجهه شريحة من النساء الريفيات من أعباء مضاعفة، ونكشف حجم التحديات التي تعيشها أسر كاملة على أكتاف النساء وحدهن في ظل غياب الدعم الحقيقي الذي يخفف من ثقل هذه المسؤوليات.
عبء مزدوج
مريم العلي (اسم مستعار) 34 عاما، من قرية الغبرة إحدى قرى الريف الشرقي يقول لي زوجي دائمًا “البيت يجب أن يمتلئ بالأطفال، حتى لو لم يبق في الجيب قرشاً واحداً، وكأنني آلة للإنجاب.”
بهذه الكلمات تختصر “مريم العلي ” معركتها اليومية.
منذ الفجر، تخرج إلى الحقول لقطف الخضار أو حصاد القمح، تحت شمس تحرق الجلد، وأحيانًا في برد ينخر العظم. تعود مع الظهيرة محملة بأكياس المحصول، لتجد بانتظارها بيتاً يحتاج للطهي والتنظيف وغسيل الملابس، وأربعة أطفال يتشاجرون حولها.
لا يكاد زوجها يشاركها في أي من هذه الأعباء، بل يجلس أحيانًا ليحصي أمامها أسماء أطفال الجيران وكأنهم معيار يجب أن تتبعه. “البيت بلا أولاد كثيرين ناقص”، يقولها بلهجة حاسمة، غير مبال بألم ظهرها المزمن أو فقر الدم الذي أصابها بعد آخر ولادة.
تروي “مريم” أنها في فترات الحمل كانت تذهب للعمل في الأرض حتى الشهر التاسع، لأن توقفها يعني يوماً كاملاً من التوبيخ والتهديد المستمر بالزوجة الثانية.
رغم أن “مريم ” تعمل بصمت، وتحمل على كتفيها مسؤوليات كبرى إلا أنها تعيش تحت ضغط متواصل لإنجاب مزيد من الأبناء، وكأن جهدها في باقي الجبهات غير محسوب. ومع ذلك، تواصل عملها كل يوم، فهي تعرف أن الأرض والبيت كلاهما يحتاجانها، حتى وإن كان الاعتراف بجهدها غائبا.
ضغط مستمر
ختام حامد (اسم مستعار)، 38 عاماً، من قرية السكرية بريف البوكمال شرقي دير الزور، أم لخمس بنات، تروي قصتها مع معركتيها في العمل والمنزل.
“أستيقظ قبل الفجر، أهيئ خبز التنور لعائلة زوجي ولبناتي الخمس ثم أخرج إلى الأرض مع أول ضوء عملي يبدأ بالري، أحمل الدلو وأتنقل بين الخضار المزروعة، بعدها أتابع تنظيف الأرض من الأعشاب الضارة، وهي مهمة متعبة لأنني أنحني ساعات طويلة تحت الشمس. وفي موسم الحصاد، أجمع المحصول وأنقله من الأرض إلى البيت. عملٌ شاق يتكرر كل عام.
وتتابع حديثها: “زوجي نادراً ما يشارك في أي من هذه الأعمال. غالباً يجلس في البيت أو عند رجال القرية. وإذا نزل معي للأرض، فوجوده لا يتعدى إعطاء الأوامر أو المراقبة”.
أكبر بناتي لا تتجاوز الثانية عشرة، وأخواتها أصغر منها. كلهن ما زلن بحاجة إلى رعاية، لا يستطعن تحمل مشقة الأرض ولا مساعدةً حقيقية. فأنا وحدي أقسم وقتي بين الحقل والبيت أطهو الطعام أغسل الثياب، أتابع احتياجاتهن الصغيرة، وأجلس بجانب سرير إحداهن إذا مرضت.
رغم كل هذا، لا ينظر أحد إلى جهدي. عيبي الوحيد في نظرهم أنني لم أنجب ولداً. زوجي وأهله يكررون دائمًا أن البنات لا يحملن اسم العائلة، وأن كل تعبي في الأرض والبيت بلا قيمة ما دام البيت خالياً من الذكور. أشعر أحيانًا أنني أرهق بلا مقابل، وأن ما أحمله فوق طاقتي لا يرى ولا يحسب.”
جبروت المطالب
أبو حسين، رجل في أواخر الأربعينيات من عمره، متزوج ولديه أبناء ويعيش وفق تقاليد الريف في مدينة هجين، يقول:
“الرجل في الريف لا يتزوج لمجرد الحب أو الرفاهية، الزواج مسؤولية كاملة والمرأة منذ أول يوم عليها أن تقوم بمهامها بلا توقف، عملها في الأرض والبيت لا يقل أهمية عن أي واجب آخر، والإنجاب جزء ضروري وأساسي من حياتها، ولا يُسمح لها بالتقاعس أو الشكوى”.
“هذا هو نمط حياة أهل الريف” يتابع أبو حسين حديثه، “المرأة تعمل وتتحمل بصمت وتكرس كل وقتها وطاقتها للبيت والزراعة والإنجاب، وكل جهدٍ آخر يعتبر ثانوياً وغير مهم. تعدد الزوجات أمر طبيعي وسائد، وأغلب النساء راضيات به فهذه القواعد جزء من منظومة الحياة اليومية التي تعيشها العائلات منذ أجيال”.
ويختتم حديثه بقوله: “المرأة موجودة لتنجز ما هو مطلوب منها، وصبرها وطاعتها والتزامها بالإنجاب والعمل المستمر هو وحده ما يعطي لحياتها قيمة ومكانة في المجتمع”.
خطر صحي صامت
أم رائد، قابلة قانونية في قرية حويجة صحين تقول: «منذ عشرين عامًا وأنا أعمل قابلة في الريف، وقد رأيت ما لا يُصدق. نساء يعملن في الأرض من طلوع الشمس إلى الغروب، حتى لو كانت ولادتهن وشيكة. أتذكر أنني ساعدت امرأة على الولادة تحت شجرة زيتون لأنها رفضت الذهاب إلى المشفى، وقالت لي: المحصول أهم!.»
وتوضح أن النساء في القرى الشرقية، ومنها حويجة صحين، يعملن لساعات طويلة في الحقول، يعتنين بالماشية، ثم يكملن أعباء المنزل من طهي وغسيل ورعاية الأطفال، حتى أثناء الحمل. هذا الإرهاق المستمر يعرض كثيرات منهن لآلام الظهر وفقر الدم وسوء التغذية وأحيانًا لولادات مبكرة أو معقدة بسبب الإجهاد البدني.
وتضيف: «كثير من النساء يُجبرن على العودة إلى العمل مباشرة بعد الولادة، حتى وهن في حالة صحية ضعيفة أو أثناء فترة الرضاعة الطبيعية. فلا دعم يُقدم لهن، ولا يُسمح لهن بالحصول على قسط الراحة». كما تشير إلى أن الضغط المستمر من أجل الإنجاب، وتعدد من الزوجات في بعض الحالات، يزيد من معاناة النساء الصحية والنفسية، ويجعل حياتهن اليومية مزيجًا من العمل الشاق والإرهاق النفسي والمخاطر الصحية المستمرة.
محاولات للتغيير
وعليه، فإن تحسين واقع المرأة في ريف دير الزور يتطلب خطوات عملية تتكامل مع المبادرات القائمة، من أبرزها تعزيز فرص التعليم والتدريب المهني بما يتيح للنساء اكتساب مهارات تساعدهن على دخول سوق العمل، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر القروض الميسّرة والمنح التي تضمن لهن استقلالية اقتصادية أكبر. كما يبرز أهمية توسيع نطاق الدعم النفسي والاجتماعي وتوفير برامج متخصصة في الصحة النفسية، بالتوازي مع نشر التوعية بحقوق المرأة وإشراك المجتمع المحلي، ولا سيما الوجهاء وشيوخ العشائر، في ترسيخ هذه الثقافة.
ويُعد تحسين الخدمات الصحية، خصوصاً ما يتعلق بالصحة الإنجابية والأمومة، ضرورة لا يمكن إغفالها، فضلاً عن تشجيع مشاركة النساء في صنع القرار المحلي وإيجاد بيئة آمنة تحميهن من مختلف أشكال العنف. إن هذه التوصيات، إذا ما طُبّقت بشكل فعّال، من شأنها أن تسهم في تمكين المرأة وتعزيز دورها الاجتماعي والاقتصادي ضمن المجتمع الريفي.
نهر ميديا نهر ميديا