نهر ميديا – فاطمة الهادي
سنوات الحرب لم تمضِ على الجميع بالطريقة ذاتها، بعض الخسارات كانت واضحة، موثقة، بأسماء وقبور وصور. وبعضها الآخر بقي عالقًا في الفراغ… كأن لا بداية له ولا نهاية.
في مدينة البوكمال، كما في كثير من مناطق الشرق السوري، تقف نساء كثر على حافة المجهول، دون صفة قانونية واضحة، لا متزوجات، ولا أرامل، ولا حتى مطلقات.
عالقات في انتظار لا ملامح له، ومكبّلات بقوانين لا تتسع لوجعهن.
هذه ثلاث حكايات، لنساء لا يطالبن سوى بالاعتراف: أنهن موجودات، أن لهن حياة وأسماء وهوية… وحقٌّ في أن يُسمعن.
أرملة دون إثبات وفاة
أم رغد، أرملة في التاسعة والعشرين من عمرها، تقيم في أحد أحياء البوكمال، فقدت زوجها قبل أربع سنوات بعد استهداف الطيران الحربي للمنطقة الصناعية التي كان يعمل بها، في صيانة المولدات الكهربائية مقابل أجر يومي بسيط، بعد ساعات من الغارة، نُقلت جثته إلى المدينة أشلاء متفرقة، تقول: “جابولي ياه مقطع ، تمنيت الموت من بعدو .. تركنا وترك الطفلة يلي وعت ع الدنيا وما نادت عليه بابا “
منذ ذلك الحين، لم تتمكن من استعادة أي من حقوقها الأساسية؛ لا زواجها، ولا تسجيل نسب طفلتها، ولا حتى الحصول على أي دعم أو مساعدة، حيث توقفت كل الأمور بسبب نقص الأوراق الرسمية وعدم اكتمال الوثائق المطلوبة.
راجعت عدة دوائر رسمية دون جدوى، إذ أن الجهات المعنية طلبت وثائق زواج أو شهادة وفاة لم تتمكن من توفيرها.
تضيف: “بنتي صارت صف أول، بس للأسف ما قبلوها بالمدرسة… قالوا بدهم دفتر عيلة، وأنا ما عندي.”
بدأت أم رغد تغسل السجاد والبطانيات في بيوت الناس كمصدر رزق بسيط، لكنها تحرص دائما على عدم الحديث عن وضعها أو طلب مساعدة من أحد.
أهل زوجها غادروا إلى تركيا بعد وفاته بفترة قصيرة، وأهلها يسكنون في ريفٍ بعيد ولا يستطيعون دعمها إلا نادراً، تعيش مع طفلتها اليوم في بيت بالإيجار، في حالة قانونية هشة وغائبة عن كل السجلات.
تختتم حديثها بقولها: “أنا موجودة، وبنتي موجودة، بس عالورق احنا مو محسوبين.”
أطفال بلا أوراق
هدى السالم (اسمٌ مستعار)، امرأة من البوكمال، تبلغ من العمر 33 عاما، تعيش مع طفليها في أحد أحياء المدينة بعد أن فقدت زوجها المُلقب ب “أبو ليث”، وهو رجل من الجنسية المصرية، التحق بتنظيم داعش خلال فترة سيطرته على المنطقة.
تزوجته رغم اعتراض أهلها، الذين قاطعوها لاحقا، وبقيت معه دون أي أوراق رسمية تثبت الزواج، ولا حتى وثائق شخصية له. كان قليل الكلام، منطويا، وغامضا في كل ما يخص ماضيه، تقول : “قال ما إلو أهل، ومحد يسأل عنو، وأني صدّقت، فكرت حياتي رح تصير أهدى وأسعد معاه”
قُتل زوجها خلال اشتباكات وقعت على أطراف المدينة أثناء انسحاب عناصر التنظيم، ولم يُسلَّم جثمانه، ولا تم توثيق وفاته رسميًا، منذ ذلك الحين، تعيش (هـ.ع) في عزلة شبه تامة، وتكسب قوتها من الخياطة في منزلها، تحاول أن تبقى بعيدة عن الناس خوفا من الأسئلة، من التلميحات، ومن الأحكام، تضيف: “ما أريد أحتك بأحد.. ما أحب حدا يسألني عن زوجي ولا إسمو ولا من وين.”
أبناؤها ما زالوا بدون أوراق، ولا تستطيع تسجيلهم في المدرسة بشكل نظامي، فكلما سُئلت عن والدهم، لم تجد إجابة تُقبل، تختتم حديثها: “أخاف أقول الحقيقة… كل ما أقول إنو أجنبي، الكل بيخاف مني “
أهلها لا زالوا يرفضون التواصل معها، وتعيش اليوم في ظلّ قانون لا يعترف بها، ولا بجروحها.
زوجة تنتظر زوجاً لن يعود!
وفي قصتنا الثالثة والأخيرة، نروي حكاية امرأة في السادسة والثلاثين من عمرها (ر.ع)، تعيش مع أهلها في مدينة البوكمال منذ اعتقال زوجها قبل تسع سنوات، حينما كان عائدا من السوق في مدينة دير الزور وأوقفه أحد الحواجز العسكرية التابعة لنظام الأسد البائد، واقتيد بعدها إلى جهة مجهولة، قبل أن تتأكد عائلته لاحقا من نقله إلى سجن صيدنايا، منذ ذلك اليوم، لم يصلها عنه أي خبر، تقول: “صارلو تسع سنين ما اجا خبر… لا زيارة، لا اتصال، ولا حتى ورقة تثبت إذا عايش ولا ميت.”
تعيش (ر.ع) مع أهلها، بين دعمهم المحدود وضغط الواقع، لا تزال خائفة من الزواج مرة أخرى، تنتظر زوجا لا تدري إن كان سيعود، وتخشى أن تخسر نفسها أكثر كلما تأخرت.
أهلها يحثّونها على بدء حياة جديدة، لكن قلبها لا يزال عالقًا هناك، عند لحظة الغياب.
تخاف أن تعلن موته، أو تطلب تثبيت وفاته، وكأنها بذلك تغلق الباب على أمل لم يمت تمامًا في داخلها، تضيف: “ما أقدر أقرر… إذا رجع، شكون اقول؟ وإذا ما رجع، اضَل عايشة على هالوضع؟ آني بلشت أكبر، والمجتمع ما يرحم وحدة بلا زوج.” وتتابع حديثها، بصوت مختنق: “أحيانًا أتحسر إني ما جبت طفل منو، بس بنفس الوقت أقول الحمد لله، ما كان يستاهل يعيش يتيم، ويسأل طول عمرو: وين أبوي؟
في غياب الزوج عاشت (ر.ع) كل التناقضات الممكنة: الحب، الغضب، الندم، والانتظار.
ليست هؤلاء النساء وحدهن من علقن بين صمت الحرب وصمت القانون، بل هن نماذج لنساء كثيرات ما زلن يعشن في مناطق مختلفة من شرق سوريا، يحملن الأعباء دون سند، وينتظرن شيئًا لا يُعرف إن كان سيعود، أو إن كان أصلاً وُجد ذات يوم.
ما بين أرامل دون إثبات وفاة، وزوجات لمفقودين لا يُعرف مصيرهم، وأمهات لأطفال بلا هوية…
تمر الأيام، وتبقى الأسئلة معلقة، والقلق مزروعًا في كل تفاصيل الحياة.
نهر ميديا نهر ميديا