فاطمة الهادي – نهر ميديا
في الماضي، كانت الجدات والأمهات يُعجبن بالشفاه الطبيعية والصغيرة، يشبّهنها بحبّة الفستق “الفستقة” كرمزٍ للجمال الرقيق والأنوثة البسيطة، وكان يُنظر إليها بعين الإعجاب والتقدير. أمّا اليوم فقد تغيّرت الصورة المثالية، وأصبح تكبير الشفاه ونفخها من أبرز مظاهر التجميل، اعتقاداً أن الجاذبية تكمن في الحجم والتغيير.
إبرة واحدة قد تحمل بين 0.5 إلى 1 سم من المادة. تبدو خطوة بسيطة، لكنها كفيلة بإحداث تغييرات كبيرة في الملامح، والنتائج ليست دائماً كما يتوقعها الشخص؛ فالبعض يواجه خيبةً وفشلاً في البداية، بين تورّم أو تكتّل أو نتائج غير متساوية، ومع الوقت والمتابعة مع المختصين قد تتحوّل التجربة إلى نجاح محسوب.
قبل أعوام لم يكن لحقن البوتوكس والفيلر هذا الانتشار الواسع في المنطقة الشرقية. أمّا اليوم فقد أصبحت مراكز التجميل حديث الساحة، بين الفضول، الفرحة بالمظهر الجديد، والمخاطر غير المتوقعة، في ظلّ الضغط الاجتماعي وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي وتقليد المشاهير. الأمر الذي يجعل كل خطوة في عالم التجميل بحاجةٍ إلى وعي وحذر.
في هذا التحقيق الصحفي نسلّط الضوء على كل جانب من تجربة النساء في المنطقة الشرقية مؤخراً، ونرصد المفارقات، الصدمات والخيارات التي تواجههن، لتكون الصورة واضحة لكل من يريد فهم هذه الموجة الجديدة من التجميل.
تجربة فاشلة
رأت سارة، البالغة من العمر عشرين عاماً، والتي تسكن مدينة البوكمال أقصى شرق دير الزور، ابنةَ عمها قد خضعت مؤخراً لحقن الفيلر، وكانت النتيجة تبدو طبيعية ومثالية من وجهة نظرها. من هنا وُلد هوسها بأن تصبح شفاهها مثل شفاه “سيرين عبد النور”، الممثلة اللبنانية الشهيرة، التي لطالما أعجبت بها وبجمال شفتيها. وأصبحت فكرة الشفاه المنتفخة تشغل تفكيرها.
حاول أهلها نصحها بعدم التسرّع، لكنها لم تأخذ كلامهم بعين الاعتبار. دفعت لأحد مراكز التجميل من مصروفها الشخصي وذهبت لإجراء الحقن دون علم أهلها، معتقدة أن التجربة ستكون سهلة وآمنة، خصوصاً بعد سماعها كلمات الاطمئنان من صديقاتها اللاتي خضن التجربة بنجاح. لكن، من اللحظة الأولى بعد الحقن لاحظت تغيّراً واضحاً؛ إذ ظهرت بعض التكتّلات في شفتها العليا، ولم يكن التناسق بين الجهتين كما حلمت.
حاول المشرفون في المركز طمأنتها بأن الورم والانتفاخ سيزولان خلال أيام قليلة، وأن النتائج النهائية ستكون أفضل. لكن الأيام مرّت دون أن يختفي الورم بالكامل، وظلّ التكتّل محسوساً، مع اختلاف واضح بين جهة الشفة والأخرى. وعندما لجأت إلى طبيب آخر للفحص، أخبرها أنّها خضعت للإجراء في بيئة غير معقمة وصحية، وهو ما زاد من مضاعفاتها.
اليوم، في كل مرة تنظر فيها سارة إلى المرآة، تعيش شعور الندم والخوف، ليس فقط من النتيجة، بل من صعوبة التعامل مع العواقب المادية والنفسية والاجتماعية.
حساب باهظ
هبة، البالغة من العمر خمسةً وعشرين عاماً، والتي تسكن مدينة دير الزور، مخطوبة وتعمل مدرّسة، وجدت نفسها محاطةً بإلحاحٍ من صديقاتها وقريباتها: “عليكِ أن تجربي الفيلر قبل العرس، ستبدين أجمل، وستلتفت إليكِ جميع الأنظار. بالنسبة لها، بدا الأمر فرصة لتعزيز ثقتها بنفسها وهي مقبلة على ليلة زفافها.
تقول هبة: “استمعت إلى نصائحهن، وبدأت أجمع رواتبي لعدة أشهر، بل واقتطعت جزءاً من المهر، فقط لأحقق الصورة التي رسموها لي. لم أفكر كثيراً بالمخاطر، كل ما كنت أبحث عنه هو أن أسمع كلمة (أجمل) من المحيطين بي.”
غير أن النتائج لم تكن كما توقعت. بعد الحقن استمر الورم لفترة طويلة، ولم يكن الشكل طبيعياً. تقول: “شعرت بندم كبير، ليس فقط على المال الذي أنفقته، بل على ثقتي التي ضيّعتها.”
وتضيف بأسى: “خطيبي لم يكن راضياً أبداً، بل وبّخني بشدة، واعتبر أنني أنفقت مالي على أمر لا معنى له. كنت أتمنى أن أرى نفسي جميلة وطبيعية، لكن النتيجة جعلتني أندم وأقول: يا ليتني بقيت على جمالي الطبيعي، ولم أنصت لتلك النصائح التي قادتني إلى هذه التجربة الفاشلة.”
جرعة ندم
ريم، شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، تسكن مدينة الرقة، كانت منذ صغرها تسمع تعليقات عن ملامحها البسيطة، وبالأخص شفتيها الصغيرتين. في الجلسات العائلية أو بين صديقاتها لم تكن تخلو الأحاديث من المقارنات: “لو كبّرتِ شفتيك ستبدين أجمل”، “المكياج لا يكفي، الفيلر سيغيّر شكلك كلياً”.
هذه الكلمات، التي بدت عابرة في البداية، تحوّلت مع الوقت إلى همس متكرر في ذهنها، يزرع الشك في جمالها الطبيعي، ويجعلها تقف طويلاً أمام المرآة تتساءل: “هل حقاً أبدو أقل جاذبية من الأخريات؟”
ومع اقتراب زفاف إحدى قريباتها، حيث تزيّنت أغلب الفتيات بملامح ممتلئة بعد خضوعهن للتجميل، وجدت ريم نفسها في مواجهة مباشرة مع “مقارنة قاسية”. سمعت إحدى الحاضرات تهمس: “ريم جميلة، لكنها لو كبّرت شفتيها ستكون أكثر جاذبية.” تلك الجملة كانت كفيلة بأن تهزّ ثقتها وتدفعها لاتخاذ قرارها.
توجّهت ريم إلى مركز تجميلي، وهناك خضعت لحقنة الفيلر على أمل أن تغيّر تلك التجربة حياتها. لكن، من اللحظة الأولى بعد الحقن بدا شكلها غريباً بالنسبة لها؛ فقدت ابتسامتها طبيعتها، وصارت حركتها في الكلام أصعب، فيما ظهرت تكتّلات صغيرة في الشفة العليا. حاولت المختصّة طمأنتها بأن كل ذلك عابر، وأن النتيجة ستتحسن مع الأيام. غير أنّ الأسابيع مرّت، وظلّ الاختلاف واضحاً بين الجهتين، ليبقى الشك مسيطراً على نفسها أكثر من أي وقت مضى.
تقول ريم بصوت يملؤه الندم: “كنت أظن أنني سأكسب الحضور والجاذبية من حولي، لكنني فقدت ثقتي بنفسي.”
شهادة طبيبة مختصة في الجراحة التجميلية
تقول الدكتورة رهف زياد، اختصاصية جلدية وتجميل وتملك عيادة في مدينة دير الزور: “منذ سنوات وأنا أستقبل فتيات يبحثن عن التغيير في وجوههن، بعضهن لم يتجاوزن العشرين من العمر. أسمع كثيراً جملة: (أريد أن أصبح مثل فلانة التي رأيتها على إنستغرام)، وكأن الصورة المثالية هناك صارت المقياس الوحيد للجمال.”
وتضيف: “أصعب اللحظات بالنسبة لي حين تدخل فتاة والدموع في عينيها بعد تجربة فاشلة عند شخص غير مختص. قبل فترة قصيرة، جاءتني شابة في الثانية والعشرين، كانت شفتها العليا متكتلة بشكل واضح، والجهة اليمنى أكبر بكثير من اليسرى. قالت لي: (دفعت نصف راتبي الشهري حتى أحصل على شفاه جميلة، لكني الآن لا أستطيع حتى أن أبتسم).”
وتتابع: “هذه ليست حالة وحيدة. كثير من الحالات تصلني بعد أن يُحقن لهن الفيلر بمواد مجهولة المصدر، أو بيدٍ لا تعرف أبسط قواعد التعقيم. بعضهن يحتجن إلى إذابة المادة بحقن أخرى، وبعضهن يتركن الأثر على وجوههن لوقت طويل.
وما بين نجاح تجربة وفشل أخرى، يبقى العامل الفاصل هو الوعي والاختيار الصحيح. أقول دوماً لهن: الإبرة قد تُضيف جمالاً، لكنها أيضاً قادرة على سرقة ملامحكن الحقيقية إن لم تختاروا المكان الصحيح والطبيب الصحيح.”
بين حقنة فاشلة وابتسامة راضية، تظلّ نساء المنطقة الشرقية يتأرجحن بين الرغبة في الجمال والخوف من ثمنه. فالإبرة قد تغيّر شكلاً، لكنها في أحيان كثيرة تغيّر حياة كاملة، وتترك أثراً لا يُمحى. إبرة واحدة قد تحمل آلاف القصص، ولا أحد يعرف من سيخرج منتصراً: الثقة بالنفس، أم الندم، أم الثمن المادي الباهظ.
بين التكتلات، الشفاه المنتفخة، والرغبة الملحّة في التغيير، تعيش الفتيات تجارب لم تُروَ بعد، توازن بين الفرح المؤقت والقلق المستمر. الضغط الاجتماعي وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي يدفع بعضهن لاتخاذ قرارات قد تكلّفهن أضراراً في حياتهن النفسية والمادية. وفي المقابل، هناك من وجدت الثقة والرضا بعد التجربة، لتثبت أن المعرفة والدراسة المسبقة والاختيار الصحيح هي ما يصنع الفارق.
نهر ميديا نهر ميديا