فاطمة الهادي – نهر ميديا
في مجتمعنا، لا يُنظر إلى تعليم الفتاة كحق أساسي بقدر ما يُعتبر “مرحلة مؤقتة” قد تُلغى في أي لحظة إذا جاء “العريس المناسب”. وغالبًا ما يكون هذا العريس مناسبًا فقط من حيث التوقيت، لا لأنه يدعم طموحاتها أو يتوافق مع اختياراتها الشخصية.
رغم أن كثيراً من الفتيات يُظهرن شغفاً بالتعليم، وتفوقاً أكاديمياً، إلا أنهن يُوضعن أمام خيار غير عادل إما أن تُكمِل دراستها وتخسر فرص الزواج، أو تتزوج مبكراً لتُرضي الجميع، وكلما تجاوزت الفتاة عمر العشرينات أو أكثر تبدأ في سماع العبارات نفسها التي تُكرّس هذا الضغط النفسي، مثل: “خلصت فُرصك”، “القطار فاتك”، و”الناس تدور على الصغيرة”.
هذا الضغط لا يأتي فقط من المحيط الاجتماعي، بل أحيانًا من داخل العائلة نفسها، بدافع “الحرص” و”الخوف من العنوسة” وتزداد المفارقة حين يُنظر إلى الفتاة المتعلمة على أنها “متطلبة” و”واعية أكثر من اللازم”، بينما يرى بعض الذكور أن الزواج من فتاة متعلمة قد يُربك صورة الرجولة التقليدية التي تربّوا عليها، خاصة إذا كانت متفوقة أو ذات مستوى تعليمي أعلى منهم.
في هذا التحقيق الصحفي، نستعرض قصصًا حقيقية من مدينة البوكمال، تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الفتاة المتعلّمة بين طموح التعليم وضغوط الزواج، من خلال شهادات شابات، أمهات، وحتى رجال من المجتمع المحلي.
بداية مُبكرة
أمل 26 سنة – متزوجة وأم لطفلين
كان عمري 17 عامًا حين قدّمت امتحان البكالوريا ونجحت، وكنت أنوي التسجيل في الجامعة، بل بالفعل اخترت الرغبات. في تلك الفترة، تقدم لي أحد معارفنا، وقال الجميع: “الشهادة لا تُطعم خبزًا، والزواج ستر”. حتى والدتي قالت: “لماذا تواصلين الدراسة؟ أليس من الأفضل أن تستقري في بيت زوجك؟”
شعرت أنني أقدّم تنازلًا كبيرًا، لكنني أقنعت نفسي أنه قسمة ونصيب. وافقت، وانخطبت، وبعد أشهر قليلة تزوجنا.
كانت السنة الأولى صادمة: لا تفاهم، ولا استقرار، وكل المسؤوليات أُلقيت على عاتقي دفعة واحدة. لم يمضِ على كوني طالبة مدرسة سوى أشهر، حتى أصبحت زوجة ومسؤولة عن بيت.
مرّت السنوات، ورُزقت بولدين. وفي كل مرة أفكر أن أعود للدراسة أو أبحث عن عمل، يُقال لي: “لقد كبرتِ، الآن وقتك مخصص لزوجك وأولادك”.
أشاهد صديقاتي اللواتي أصبحن مهندسات أو معلمات، وأشعر أن شيئًا ما قد ضاع مني. لا أنكر أن الزواج سنّة الحياة، ولست نادمة، لكنني أشعر أنني تسرّعت، أو ربما المجتمع هو من تسرّع عني، ودفعني لطريق لم أكن مستعدة له.
أزمة نضوج
هالة 30 سنة – خريجة هندسة مدنية
حين كنت في الصف التاسع، تقدم لي أول خطيب من جهة والدي. قيل لي: “فرصة، وتتخلصين من همّ الدراسة”. لكنني كنت أرغب بإكمال تعليمي، وكانت رؤيتي للمستقبل أوضح من فستان الزفاف، ولهذا رفضت.
دخلت الجامعة، درست وتعبت على نفسي حتى تفوقت، ثم تخرجت كمهندسة مدنية. عملت بعد التخرج، لكنني لم أتزوج. في كل مناسبة، تلاحقني نظرات الناس وأسئلتهم: “متى نفرح بكِ؟ فاتك القطار؟”
أغلب من تقدم لي انسحب بعد أول سؤالين: كم عمرها؟ وما شهادتها؟ وحين يعرفون أنني في الثلاثين ومهندسة، يردّون: “نريد فتاة أصغر وغير مُتعلمة”.
أراقب ملامحي في المرآة، أمي تُحضر لي ماء مرقي وتنصحني بقراءة سورة البقرة على نية الزواج. تصطحبني إلى الأعراس والزيارات النسائية، كنوع من “التسويق التقليدي”، لكن لا شيء يتغيّر.
اليوم، لا ألوم نفسي ولا أمي، لأن الضغط أقوى منّا. في بيئة تعتبر الثلاثين نهاية للصلاحية، لم تُضِف شهادتي شيئًا لقيمتي بنظر الناس، فقط لأنني غير متزوجة. كل “خطأي” أنني اخترت طريقًا مختلفًا، وما زلت مضطرة لتبرير هذا الاختيار.
رؤية الرجل
محمود – 33 سنة – أعزب
لست ضد تعليم الفتاة، بل أشجع عليه، لكن هناك فرق بين فتاة متعلّمة وواعية، وأخرى فكرها محدود خرجت من المرحلة الإعدادية فقط.
بصراحة، أفكر كثيرًا قبل أن أتقدم لفتاة في العشرينات وتحمل شهادة جامعية، ليس بسبب الشهادة، بل لأنها غالبًا تمتلك شخصية قوية، وتعرف ماذا تريد من الحياة.
والدتي وأخواتي يرددن دائمًا: “اختر فتاة صغيرة، تربيها على يديك، أفضل من أن تتعبك فتاة كبيرة”. لا أنكر أن هذا الكلام أثّر عليّ، واليوم أبحث عن فتاة بعمر صغير، حتى وإن كانت قد تركت الدراسة. المهم أن أجد الراحة، وألا تجادلني أو تناقشني، وأن تكون هادئة وتُطيع.
أحترم المرأة الواعية، نعم، لكنني أخاف من وعيها، من قراراتها، من استقلالها. لأنني أعرف أنه في تلك الحالة، لن أكون دائمًا الطرف الأقوى في العلاقة.
ربما لو كنت في بيئة أخرى، وقتها سأفكر بطريقة مختلفة، لكن هنا، المجتمع يرسم لنا خيارات ومعايير لا نستطيع الخروج عنها.
صوت العائلة أم منى – 50 سنة – أم لبنتين (أكبرهما عمرها 29)
لم أكمل دراستي، لكنني كنت أردد دومًا على مسامع بناتي: الشهادة سلاح، وتنفع في كل وقت.”
منى، ابنتي الكبرى، درست الأدب العربي، وتخرجت، وأصبحت معلمة.
ورغم كل تعبها، لم يتقدم لها أحد بشكل جدي. في كل مرة يسألون عنها، يكون السؤال الأول عن عمرها، وعندما يعرفون أنها تبلغ 29 عامًا، يعتذرون بلطف، أو ينسحبون بهدوء.
أختها الصغرى تركت المدرسة في الصف الحادي عشر، وتزوجت مبكرًا. وكثيرًا ما سمعت من الناس: “من تعرف مصلحتها، لا تُطيل التعليم”.
منى تتضايق أحيانًا، وتسألني: “لو لم أدرس، هل كان وضعي سيكون مختلفًا؟”
كأم، أعلم أن الضغط لا يأتي فقط من الخارج، بل أحيانًا يكون من داخل العائلة نفسها.
لا ألومها. المشكلة ليست فيها، بل في نظرة المجتمع للفتاة، حيث يعتبر أن من تكبر قليلًا، تصبح شهادتها وعملها بلا قيمة، وكأن التعليم أصبح سببًا للتأخير لا للفرص.
أن تكوني فتاة متعلمة في البوكمال، فهذا لا يعني بالضرورة أنك أقرب للاستقرار، بل قد تكونين، في نظر البعض، قد تجاوزت “العمر المناسب”، ووضعتِ نفسك في خانة “الصعبة” أو “اللي راحت عليها”.
بين شهادات البنات والشباب وحتى الأمهات، خيط مشترك واضح، المجتمع لا يمانع تعليم الفتاة، لكنه لا يحتمل أن تطول المسافة بين تخرجها وزواجها. الوعي مطلوب، لكن “ضمن الحدود”. والعمر مقبول، لكن “ضمن الجدول”.
فُرضت على الفتاة معايير صارمة (لا تكبري، لا تختاري، لا تتأخري) فإن سبقت أحلامها زواجها، صارت موضع شك، وإن انتظرت فرصتها، صارت “خلص وقتها” بنظر المجتمع، لكن السؤال الذي يبقى: هل الخطأ في تأخر الزواج، أم في استعجال المجتمع؟
نهر ميديا نهر ميديا