نهر ميديا – عمر عبد الله
تشكل ثقافة العمل التطوعي الجماعي إحدى أهم ركائز النهوض بالمجتمعات المنكوبة، التي يسعى أهلها إلى تغيير واقعها نحو الأفضل.
وعلى مر التاريخ، سجلت البشرية أنشطة من هذا القبيل، حيث عمد أهلها إلى العمل بشكل تطوعي جماعي بهدف إحداث تغيير في المجتمعات التي يعيشون فيها.
ولن نذهب بعيدًا في التاريخ، فبعد الحرب العالمية الثانية، قامت النساء الألمانيات في بادرة تطوعية جماعية للنهوض ببلدهن المدمر، وأطلق على هذه المبادرة اسم “نساء الأنقاض”، وكان الهدف تحسين الواقع المعيشي في بلدهن.
والمبادرات المجتمعية هي جهود تطوعية يطلقها أفراد أو جماعات أو منظمات لمعالجة مشكلات خدمية واجتماعية بهدف تحسين ظروف المجتمع وإحداث تغيير إيجابي في مجالات مختلفة، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية وغيرها.
وفي هذا السياق، نرى أن إحدى ركائز النهوض ببلادنا بعد 8/12/2024 وسقوط النظام السابق هي المبادرات الأهلية التي تسهم في إعادة الإعمار، والتي طفت على سطح الحدث السوري. لقد ظهرت العديد من المبادرات، لكنها في المجمل خجولة ولا ترقى إلى مستوى الطموح المطلوب في مدينة دير الزور، فهي مدينة منكوبة ومدمرة بنسبة 80%، وتستحق منا العمل الدؤوب والجماعي للنهوض بها وتقديم الدعم، ولو بجزء يسير يتناسب مع كرم أهلها وتضحياتهم.
هل يمكنكم تخيل لو أن كل قرية أو منطقة أو مدينة قامت بمبادرة أهلية خدمية؟ مثل إصلاح المدارس خاصة مع اقتراب العام الدراسي، أو تجهيز مراكز صحية، أو مشاريع خدمية أخرى، ألا يمكن أن يُحدث ذلك فرقًا ملموسًا في حياة المواطنين ويحسن من ظروفهم الحياتية؟
فعند قراءة سريعة للوقوف على بعض المبادرات الأهلية التي قام بها أهالي مناطق دير الزور في الريف الغربي، مثل زغير شامية على سبيل المثال لا الحصر، مرورًا بقرى المريعية، البوليل، قرص، محكان، القورية، صبيخان، الرمادي، البوكمال وغيرها من بلدات ريفنا ومدنه، نجد أنها مبادرات ضمن سياق إعادة الإعمار، لكنها لا تكفي وتبقى دون مستوى الطموح.
من الخطأ بمكان أن نعوّل كليًا على الدعم الخارجي أو العمل الحكومي للقيام بهذا الاستحقاق الكبير، الذي يفوق مستوى الاستثمارات المقدمة أو المتوقعة حتى هذه اللحظة.
وعليه، يجب القيام بحملات وبرامج يقودها أفراد، ثم جماعات، تأخذ زخماً ودعماً أكبر على كل المستويات، ويكون للإعلام دور مميز في تسليط الضوء عليها، وإبراز أهميتها في هذه المرحلة، عبر إطلاق حملات ترويجية ودعائية، كما حصل في أربعاء حمص، الذي جمع مبلغًا جيدًا من شأنه إحداث تغيير في حياة المواطن الحمصي.
ولا يفوتنا أن نذكر أن طبيعة أهل دير الزور تتسم بالكرم والنخوة والحمية، مما يجعل التركيز على أبنائهم المغتربين والتواصل مع الفاعلين والمؤثرين منهم في تنفيذ هذه الحملات والمساهمة فيها أمرًا ضروريًا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطن الديري.
ومهما يكن من أمر، فإن هذه المبادرات والحملات والفزعات ستأتي بنتائج إيجابية، وتحدث فرقًا في حياة المجتمع، وتساهم بجزء من جهود إعادة الإعمار، ونحن على ثقة في تحقيق قفزة نوعية في دعم عملية الإعمار والنهوض بالواقع المعيشي في محافظتنا الكريمة.
تشكل المبادرات المجتمعية في دير الزور مثالًا حيًا على قدرة الأهالي على مواجهة التحديات والمساهمة في إعادة الإعمار رغم الصعوبات. فكل جهد تطوعي، صغيرًا كان أم كبيرًا، يعكس روح التعاون والمسؤولية تجاه المجتمع، ويؤكد أن النهوض بالمحافظة لا يقتصر على الدعم الخارجي أو الرسمي، بل يبدأ من أبناءها الذين يعرفون جيدًا احتياجاتها ويعملون لإحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياتهم اليومية.
نهر ميديا نهر ميديا