آخر الأخبار

مرضى السرطان يعانون بصمت في محافظة منسية

نهر ميديا – دير الزور

في زوايا دير الزور التي نُسيت حتى من الخرائط، يموت الناس بصمت، لا لأن المرض أقوى من إرادتهم، بل لأن المدينة التي يعيشون فيها لم تعد قادرة حتى على منحهم فرصة للقتال. قبل أن تسقط في براثن الحرب، كانت الخدمات الطبية هنا شبه منعدمة، أما اليوم، فالكارثة أكبر بكثير. تخيل أن تكون مريض سرطان في مكان لا يوجد فيه لا دواء، لا جهاز تشخيص، لا طبيب مختص، فقط ألم يزداد كل يوم، وانتظار للموت أقسى من المرض نفسه.  

الأدوية كانت شحيحة حتى قبل الثورة  لكن الفساد حوّل نقصها إلى جريمة منظَّمة، كان هناك صيدلانيون يتعاونون مع مديرية الصحة وهيئة “البيروني” لتعطيل توريد الأدوية إلى المشافي عمداً، كي يُجبروا المرضى على الشراء من صيدلياتهم الخاصة بأسعار خيالية. 

فالأمر لم يكن مجرد إهمال، بل “مصفوفة فساد” تطحن الفقراء. أما الأجهزة الطبية؟ فحدِّث ولا حرج، أجهزة قديمة تعود لعقود مضت، لا تكشف السرطان بل تخدع المرضى بأمل وهمي.  

والأسوأ من كل هذا؟ الصمت. تعتيم إعلامي مقصود، كما لو أن دير الزور وشعبها لم يعودوا جزءاً من هذا البلد، مستشفيات تفتقر لأدنى المقومات، هذه ليست قصة مرض، بل قصة إنسان تُرك وحيداً في مواجهة القدر، بلا دواء، بلا أمل، بلا صوت.

انعدام البنية التحتية: مدينة بلا مراكز علاج

لم يتغير شيء.. هذه العبارة تلخص واقع مرضى السرطان في دير الزور بعد أشهر  من التحرير، فالمدينة لم تدخل إلى عالم الخدمات الطبية الحقيقية، ما زال المرضى هنا يموتون ببطء، ليس بسبب خلايا سرطانية شرسة فحسب، بل بسبب بنية تحتية طبية أشبه بجثة هامدة، فمريض السرطان هنا في مدينة لا يوجد فيها مركز أورام واحد، لا قديم ولا جديد، ليس هناك أجهزة تشخيصية (لا PET-CT، لا MRI، لا حتى أجهزة أشعة عادية حديثة)، لا يوجد أطباء أورام متخصصون، فقط أطباء عامون يحاولون تقديم ما يفوق قدراتهم.

الواقع المرير أن الإدارة الجديدة ورثت كارثة طبية متراكمة منذ عقود، المباني المستخدمة كمستشفيات أشبه بأطلال، والأجهزة الموجودة إما معطلة أو تعمل بكفاءة 20% من طاقتها، حتى الأدوية الأساسية للعلاج الكيميائي تصل بشكل متقطع، وكأنها صدفة لا حق مكتسب.  

الأكثر إيلاماً أن مرضى السرطان هنا مضطرون لخوض معركة ثلاثية الجبهات (معركة ضد المرض نفسه بلا أدوية كافية، معركة ضد الزمن في انتظار مواعيد قد لا تأتي ومعركة ضد اليأس الذي يتسلل إلى قلوبهم كلما سمعوا عن تطورات علاج السرطان في العالم، بينما هم عالقون في زمن طبي من القرون الوسطى)

المأساة تكبر عندما تعلم أن 70% من حالات السرطان في دير الزور يتم تشخيصها في مراحل متأخرة، ليس لأن المرض خبيث، بل لأن أدوات الكشف المبكر غير موجودة أصلاً المرضى هنا يدفعون ثمنين: ثمن المرض، وثمن الإهمال المتوارث بين إدارة وأخرى. السؤال الذي يصرخ به الجميع: إلى متى سيظل سرطان دير الزور السياسي أشد فتكاً من السرطان الطبي؟

رحلة العذاب: من التشخيص إلى الإفلاس.. يوميات مريض سرطان في دير الزور

“اكتشفت المرض في عيادة خاصة بدمشق.. في دير الزور لا يوجد أطباء أكفاء”، بهذه الكلمات يبدأ أبو محمد حديثه عن رحلته مع السرطان التي تحولت إلى كابوس مالي ونفسي. ففي مدينة تفتقر لأبسط مقومات التشخيص، حيث أجهزة الأشعة تعود للسبعينيات، ولا وجود لتصوير طبقي محوري أو رنين مغناطيسي، يصبح السفر لدمشق حاجة ملحة لا رفاهية، فالمأساة تتكشف عند كل محطة، محطة التشخيص: بعد عملية استئصال جزء من الأمعاء في مستشفى حكومي، تبين لاحقاً – في مستشفى خاص – انتشار المرض للعظام بسبب سوء التشخيص الأولي، ومحطة العلاج: جلسات الكيماوي  التي  تضطرني للسفر في كل جلسة إلى دمشق، ومحطة السكن إقامة إجبارية عند الأقارب، أو فنادق بأسعار خيالية لمن لا عائلة لهم في دمشق.

“ننفق 5 ملايين ليرة لنقل مريض في حالة حرجة بسيارة خاصة”، يقول أبو محمد الذي تجاوزت تكاليف علاجه 60 مليون ليرة خلال أشهر قليلة، الأدوية التي تُباع في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، والرحلات اليومية التي تصل إلى 700 كم، تحولت إلى أعباء تفوق قدرة معظم العائلات.

الجانب النفسي ليس أقل قسوة، فالاتصال الدائم بأطباء دمشق، والعجز عن توفير الرعاية الطارئة، يجعلنا نشعر أننا في صراع مع الزمن، العائلة تتحول إلى شبكة دعم نفسي ومالي، لكنها تبقى عاجزة أمام نظام صحي منهار.

الرسالة الأخيرة من أبو محمد تختصر المأساة: “40% من مرضى السرطان في سوريا هم من دير الزور، لكننا لا نملك حتى جهاز كشف حديث”. طلب واحد يتردد: مستشفى متخصص، أجهزة حديثة، وكادر طبي كفؤ.. فالحياة لا ينبغي أن تكون رهناً بالجغرافيا أو القدرة المالية.

شهادة طبيب أورام: “نحن محاصرون بين عجز الأجهزة وغضب المرضى”

يكشف الدكتور علي (اسم مستعار)، أخصائي أورام اضطر للعمل في دمشق بعد رفضه العودة إلى دير الزور، عن معضلة طبية وأخلاقية تُفاقم الأزمة: “كيف أمارس تخصصي دون أجهزة تشخيص أساسية؟ المسألة ليست رفاهية، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية، لا يوجد حتى جهاز تصوير مقطعي حديث، فكيف نحدد مراحل الورم بدقة؟”. 

ويضيف الدكتور، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته خوفاً من ردود الفعل: “المرضى يعتبروننا خونة لبقائنا في دمشق، لكن الحقيقة المرة أننا أمام خيارين: إما العمل بعشوائية تعرض المرضى للخطر، أو تحمل اتهامات الهروب. حتى الأدوية الكيماوية المتوفرة غير مضمونة الجودة، وجلسات العلاج الإشعاعي تتطلب حجزاً مسبقاً بـ 5 أشهر، وهي فترة قد تكون مميتة لمرضى المراحل المتقدمة”.

تبدأ الهجرة العلاجية من هجرة الكفاءات الطبية، فأطباء الأورام من دير الزور يعملون خارجها، يضاف عليها فجوة الثقة، إذ أنّ 70% من المرضى يفضلون العلاج في دمشق حتى لو كلفهم إفلاسهم، كما أنّ الأدوية الكيماوية منتهية الصلاحية أو مخزنة بظروف غير ملائمة، وحجز العلاج الإشعاعي يحتاج 20 أسبوعاً (فترة تتجاوز متوسط بقاء بعض الحالات المتقدمة، يضاف عليها أجور الأطباء التي لا تتجاوز 150$ شهرياً، مما يدفعهم للعمل في عيادات خاصة

يطالب مرضى السرطان في دير الزور بثلاثة أشياء فقط هي: (وحدة علاج شعاعي واحدة مزودة بجهاز حديث،  نظام إمداد دوائي خاضع للرقابة، وحوافز مادية ومعنوية تسمح للأطباء بالعودة، فالمرضى يموتون بسبب الجغرافيا، وهذه جريمة إنسانية قبل أن تكون إخفاقاً طبياً.

الصمت الرسمي: عندما يصبح الغياب سياسةً ممنهجة

في أروقة وزارة الصحة السورية، يُحكى عن “إنجازات وهمية” في علاج السرطان، بينما على أرض دير الزور، لا يوجد حتى مسكنات الألم الأساسية. المؤسسات الصحية تتعامل مع الملف كما لو كان مجرد رقم في تقرير سنوي، بينما المرضى هنا يتحولون إلى إحصاءات وفيات مجردة. 

 وزارة الصحة ترفع شعارات “تطوير القطاع الصحي” بينما 90% من ميزانية مكافحة السرطان تذهب لمراكز العاصمة، لا توجد خطة لإدخال أجهزة تشخيص حديثة للمحافظات، تقارير رسمية تزعم “توفير العلاج المجاني” بينما المرضى يدفعون ثمنه بأعمارهم، المجالس المحلية: تقف عاجزة أمام انعدام الصلاحيات الحقيقية لتغيير الواقع الصحي، مع فساد بعض الكوادر المحلية المتورطة في تهريب الأدوية، وعجز مطلق عن توفير أبسط متطلبات مركز أورام، من جانبها تقدم المنظمات الدولية مساعدات لا تتعدى 5% من الاحتياجات الفعلية، وتركّز على مشاريع قصيرة الأمد (كمساعدات أدوية لمرة واحدة)، وتتجاهل المطالب الأساسية كإنشاء بنية تحتية دائمة.

في دير الزور، لا يموت الناس بالسرطان وحده، بل يموتون بـالإهمال المُمنهج، والفساد المُتفشي، والصمت  المدوي، كل يوم يمر دون حلول حقيقية هو يوم يُسرق فيه أمل عشرات العائلات، وكل تقرير رسمي يتجاهل المأساة هو مشاركة في الجريمة.  

هذه ليست مجرد قصة نقص موارد، بل قصة إنسانية مهشمة، مرضى يُحكم عليهم بالموت لأنهم وُلدوا في المكان “الخطأ”، أطباء عالقون بين مطرقة نقص الإمكانيات وسندان غضب المرضى، عائلات تُباع ممتلكاتها لتمويل رحلات علاج أصبحت رهاناً على حياة أو موت.

المطلوب ليس تعاطفاً، بل عدالة صحية، السرطان قد يكون مرضاً قاسياً، لكن اللامبالاة أقسى، دير الزور لا تحتاج إلى وعود، بل إلى خطوات فعلية قبل أن يتحول المزيد من المرضى إلى أرقام في سجلات الوفيات.

بإمكانك البحث أيضاً عن،

داعـ.ـش يهاجم حاجزاً للأمن الداخلي غربي الرقة

نهر ميديا – دير الزور نفّذ مسلحان مجهولان من خلايا داعـ.ـش هجومًا بالأسلحة الرشاشة على …