نهر ميديا – فاطمة الهادي
منذ أن تبدّل الواقع في سوريا كلّها، وعاد كثير من المهجّرين إلى مدنهم وقراهم، بدا المشهد وكأنه ولادة جديدة بعد سنوات من الغياب. غير أن فرحة العودة سرعان ما انتكست أمام أزمة السكن التي فرضتها موجة الإيجارات المرتفعة والطلب المتزايد على المنازل، لتتحوّل الآمال بالاستقرار إلى عبء جديد يثقل كاهل الأسر العائدة.
المنازل التي كانت تُستأجر بأسعار بسيطة قبل الحرب، أصبحت اليوم خارج متناول الكثيرين. ومع عودة الأهالي وأصحاب العقارات بعد التحرير، ازداد الضغط على سوق السكن بشكل كبير، حتى وصلت الإيجارات في بعض المناطق إلى أكثر من مليوني ليرة سورية للشهر الواحد، ما أجبر كثير من السكان لدفع مبالغ طائلة للبقاء في منازل تحتاج إلى ترميم أو لحمايتها أثناء غياب أصحابها، فيما استغل بعض الملاك الوضع لتعويض خسائرهم أو لزيادة أرباحهم.
وفي ظل هذا الارتفاع الكبير، يجد الشباب والطلاب والأسر محدودة الدخل أنفسهم أمام خيارات محدودة وصعبة؛ بيوت متهالكة، أو بعيدة عن مركز المدينة، أو إيجارات خيالية تفوق قدرتهم الشهرية، ومع تزايد عودة العائلات التي هاجرت مسبقاً إلى تركيا، أو نزحت نحو المحافظات الأخرى في الداخل السوري، بحيث أصبح العثور على منزل مناسب مهمة شبه مستحيلة.
في هذا التحقيق نسلّط الضوء على أزمة الإيجارات في محافظة دير الزور بعد التحرير، وكيف تفاقمت بشكل مفاجئ، وما انعكاساتها على حياة الأهالي الذين وجدوا أنفسهم يخوضون معركة جديدة بعد أن ظنّوا بأن الحرب انتهت.
خيارات ضيقة
بين جدران بيت متواضع في شارع الوادي، تجلس فرح لتحصي نفقاتها وتفكر كيف ستدفع الإيجار هذا الشهر، محاولة أن توازن بين الدراسة ومتطلبات الحياة الجامعية.
فرح، طالبة جامعية من مدينة البوكمال تبلغ من العمر ثلاثةً وعشرين عامًا، تتابع دراستها في كلية العلوم بجامعة الفرات بمدينة دير الزور، منذ عامين، تستأجر منزلًا صغيرًا في شارع الوادي مع خمس طالبات جامعيات، في محاولة لتخفيف أعباء الإيجار وتكاليف المعيشة.
غير أنّ بداية هذا العام الدراسي جاءت مختلفة؛ إذ طلب مالك المنزل تجديد العقد مقابل رفع الإيجار إلى مليونٍ وخمسمئة ألف ليرة شهريًا، بعد أن كان خمسمئة ألف فقط قبل عامين. تقول فرح: “بحثت طويلًا عن منزل آخر، لكن لم أجد أي بيت دون مليون ليرة، وإن وُجد، يكون بعيدًا أو قديمًا لا يصلح للسكن.”
وترى فرح أن هذا الارتفاع الحاد في الأسعار جاء نتيجة استغلال بعض أصحاب العقارات للظروف الاقتصادية التي أعقبت التحرير وعودة الأهالي من النزوح داخل البلاد وخارجها، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على المساكن. وتضيف: “المنزل الذي أقطنه بسيط وغير مفروش، لكنه أفضل من كثير من البيوت التي رأيتها بحالة متهالكة رغم ارتفاع أجورها.”
وتوضح أنّها وزميلاتها قرّرن أن يُصبحن سبع طالبات في المنزل ذاته لتقاسم الإيجار المرتفع، وتقول بقلق: “الإيجار مرتفع جدًا، لكننا مضطرات للبقاء، فبداية العام الدراسي ليست وقتًا مناسبًا للانتقال أو البحث عن بيت جديد، وإن فعلنا ذلك سنفقد وقتًا ثمينًا من محاضراتنا.”
والدا فرح معلّمان متقاعدان، يحاولان جاهدين تغطية نفقات دراستها وسكنها إلى جانب مصاريف شقيقها الطالب في مرحلة البكالوريا. وتختتم فرح حديثها قائلةً: “قبل التحرير كنا ندفع خمسمئة ألف ليرة فقط، أما الآن فصار المبلغ ثلاث أضعاف تقريبًا. نتمنى أن تُراعى ظروف الطلاب وأهاليهم، فبين مصاريف التسجيل والمواصلات والمقررات، أصبح الإيجار أكبر همٍّ يثقل كاهلنا. لو انخفضت الأسعار قليلًا، لانحلت نصف مشاكلنا.”
منزل ناقص
أحمد، من مدينة البوكمال، يبلغ من العمر 37 عامًا، عامل في محل صيانة سيارات. بعد سنوات من النزوح في مدينة الرقة، عاد ليستقر في مدينته حاملاً معه عائلته الكبيرة المكونة من زوجته وثلاث أطفال وأمه وأبيه كبار السن. لا يمتلك أحمد بيتًا ملكًا له، ويعيش في منزل مستأجر، وسط أعباء مالية تثقل كاهله منذ اليوم الأول للعودة.
يقول أحمد بصوت مليء بالقلق والإرهاق: “الإيجار صار أول ما أحسبه قبل أي شيء آخر، حتى قبل الأكل. راتبي محدود، وكل شهر هو سباق لتغطية المبلغ المطلوب. قبل الحرب كنا ندفع مبالغ معقولة، أما الآن فالوضع تغير كثيرًا، والأسعار صارت ثقيلة جدًا.”
بعد بحثٍ طويل ومحاولات متكررة، استطاع أحمد أخيرًا أن يجد منزلًا بإيجار قدره 800 ألف ليرة شهريًا. لم يكن المنزل كما يتمنى، فالجدران متشققة، ولا أبواب تحمي الغرف من اللصوص ولا نوافذ تقي من البرد، لكنه اضطر إلى قبوله لأنه الخيار الوحيد المتاح أمامه. ورغم أن الإيجار يلتهم معظم راتبه، إلا أن الحاجة إلى مأوى تغلبت على كل الاعتبارات.
ويتابع أحمد: “كل يوم نمضي مع القلق من ألا نتمكن من دفع الإيجار، فزوجتي وأطفالي ووالديّ بحاجة إلى مأوى ثابت. أصبحت كل خططنا المالية تدور حول الإيجار أولًا، ثم ما تبقى لتغطية باقي احتياجات المنزل. إنه شعور مزعج، يجعلنا نحسب كل ليرة قبل إنفاقها.”
ويختتم أحمد حديثه قائلاً: “الوضع صعب جدًا، خاصة مع وجود العائلة كاملة تحت سقف واحد. نتمنى أن يراعي أصحاب العقارات ظروف العائلات محدودة الدخل، فارتفاع الإيجار يجعل حياتنا اليومية أكثر صعوبة ويضاعف الضغوط علينا.”
واقع غير متساهل
إبراهيم، معلم لغة عربية، يبلغ من العمر 40 عامًا، عاد مع عائلته الصغيرة بعد سنوات من النزوح في مدينة الحسكة، ليجد نفسه أمام واقع صعب يثقل كاهله منذ اليوم الأول. يعيش إبراهيم مع زوجته وأولاده في منزل مستأجر، حيث يواجه عبء إيجار البيت إلى جانب مصاريف لا تعد ولا تحصى تشمل الملبس والطعام والشرب والتعليم، وهو ما يكاد راتبه لا يغطيه.
يقول إبراهيم: “قبل التحرير كنت أقيم في منزل يخص أشخاصًا أعرفهم، طلبوا مني السكن فيه لحمايته من السرقة خلال فترة غيابهم. تمكنت حينها من ضبط الوضع، وصيانة البيت وإصلاحه ليصبح صالحًا للسكن المؤقت.”
ويتابع: “لكن بعد التحرير، عندما عاد أصحاب البيت، وُضعت أمام خيارين: إما دفع إيجار أو الخروج منه. بعد تفكير طويل ومحاولات كثيرة، قررت دفع الإيجار حفاظًا على بيتي وعائلتي، خاصة أننا على أبواب شتاء بارد. بعد تفاهم معهم، تم الاتفاق على إيجار 500 ألف ليرة، رغم أن ذلك لا يزال يشكل ضغطًا كبيرًا على دخلي المحدود.”
ويضيف إبراهيم: “المصاريف اليومية أصبحت ثقيلة جدًا، أحيانًا لا يكفي الراتب لتغطية الطعام والشراب والملبس، والإيجار يسبق كل شيء في حساباتي. نحن نعيش مع قلق دائم، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، ونأمل من أصحاب العقارات مراعاة ظروف المعلمين والعائلات ذات الدخل المحدود، فالأسعار المرتفعة تضاعف الضغوط اليومية وتجعل الحياة صعبة للغاية.”
جهود إنسانية
يوسف العبد الله، ناشط في المجال الإنساني ومتابع لأوضاع العائدين بعد التحرير، يرى أن أزمة ارتفاع الإيجارات أثّرت على جميع شرائح المجتمع في دير الزور ومناطقها، خصوصًا الأسر ذات الدخل المحدود. يقول: “الكثير من العائلات التي عادت بعد النزوح تجد نفسها مضطرة لدفع مبالغ كبيرة مقابل سكن بسيط، وأحيانًا تصل الأسعار إلى أرقام خيالية تفوق قدرتهم المالية”.
ويوضح العبد الله أن بعض الجمعيات الإنسانية تعمل على مساعدة عدد محدود من الأسر التي تعود إلى بيوت مهدمة، بإعادة ترميمها وتجهيزها بالأدوات الأساسية لتكون صالحة للسكن .
ويختتم: “نحن نحاول توثيق هذه الحالات والعمل على برامج دعم قصيرة الأمد، لكن الحل الدائم يحتاج إلى تدخل أوسع من الجهات الرسمية لضبط السوق وتقديم حلول مستدامة للأسر”.
تظلّ أزمة السكن في دير الزور إحدى أبرز التحديات التي تواجه المجتمع بعد سنوات الحرب الطويلة. فمع ارتفاع الطلب على المساكن وتفاقم النقص الحاد في المعروض نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية العمرانية، أصبح إيجاد منزل مناسب أمرًا يفوق قدرة الكثيرين. ولا يمكن تجاوز هذه الأزمة إلا عبر رؤية شاملة تعيد إعمار ما تهدّم، وتعيد التوازن بين حجم الطلب وتوافر المساكن، بما يضمن عودة الحياة الطبيعية ويمنح سكان دير الزور فرصة حقيقية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
نهر ميديا نهر ميديا