نهر ميديا – دير الزور
أثار قرار تحويل أجزاء من مبنى المتحف الوطني في دير الزور إلى مكاتب إدارية تابعة لمديرية التنمية جدلاً واسعًا في الأوساط الثقافية والاجتماعية في المحافظة، خاصة في ظل ما وصفه ناشطون بـ”الاعتداء على هوية المتحف ووظيفته الثقافية”.
ورغم عدم صدور قرار رسمي بهذا الشأن، إلا أن شبكة نهر ميديا سلطت الضوء على الموضوع، واستطلعت آراء المعنيين والناشطين والمسؤولين من مختلف الجهات.
بيان من الآثاريين والباحثين: “المتحف ليس مبنىً عادياً بل ذاكرة وطن”
في بيان وقّع عليه عدد من الآثاريين والباحثين والأكاديميين السوريين العاملين في مجال التراث الثقافي، أعرب الموقعون عن رفضهم الشديد لأي مخطط يهدف لاستخدام المتحف لأغراض إدارية أو غير متحفية.
وجاء في البيان:
نحن مجموعة من الآثاريين والباحثين والأكاديميين السوريين، نتوجه إليكم بهذه الرسالة استشعاراً لمسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تجاه صون ذاكرة وطننا الثقافية.
المتحف الوطني في دير الزور هو صرح ثقافي استثنائي، لا يُمثّل المحافظة فقط، بل يُجسّد الهوية التاريخية والثقافية لمنطقة الجزيرة السورية بأسرها، وهو المتحف المركزي الذي يوثّق تسلسل الحضارات في الفرات الأوسط من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث.
وأضاف البيان أن استخدام بعض صالات العرض والاستقبال ومكاتب المتحف من قبل وزارة التنمية ستكون له تداعيات خطيرة، من أبرزها:
تقويض الوظيفة التعليمية والثقافية للمتحف.
فقدان الدعم المحلي والدولي من المؤسسات والجهات المانحة، وخرق لمواثيق المجلس الدولي للمتاحف (ICOM).
إضرار بالبنية المعمارية المصممة خصيصًا للعرض المتحفي، مما يهدد المجموعات الأثرية المخزّنة.
وختم البيان بمناشدة الجهات الرسمية وقف أي خطة لإعادة توظيف المتحف، واقتراح بدائل أخرى لإنشاء مقرات دائمة لوزارة التنمية دون المساس بكيان المتحف.
ياسر شوحان: “نخسر الهوية الثقافية للمنطقة”
الناشط في مجال حماية الآثار ياسر شوحان اعتبر أن المسألة لا تتعلق بمجرد مبنى بل بـ”ذاكرة وهوية وطنية”، مشيرًا إلى أن المتحف بُني عام 1980 وافتُتح عام 1996، واستغرق إنشاؤه 16 عامًا كان خلالها بمثابة “حلم” لأبناء دير الزور.
وقال شوحان:
المتحف صُمم ليكون متحفًا وليس أي شيء آخر، من حيث التصميم الداخلي والارتفاعات ومسارات الزيارة. تحويله إلى مكاتب إدارية يعني المساس بجوهره، فلا يمكن تقسيم صالة عرض ضخمة إلى قاعة تدريب ضيقة.
وأوضح أن صالات العرض وعددها سبعة، تم تصميمها كمساحات مفتوحة لعرض مجسمات أثرية ضخمة مثل مجسم تل بقرص (العائد للألف السابع قبل الميلاد)، وتل بديري وماري (من الألف الثالث قبل الميلاد)، وبالتالي لا يمكن إعادة استخدامها إداريًا دون الإضرار بها.
وأضاف:
نحاول منذ سبعة أشهر استقطاب مشاريع لإعادة تأهيل المتحف، وبدأنا بالفعل محادثات مع جهات دولية أبرزها ألمانيا وفرنسا. أي استخدام غير متحفي للمبنى سيؤدي إلى خسارة هذه الشراكات.
ولفت إلى أن المتحف يحوي أكثر من 70 ألف قطعة أثرية في مستودعاته، مما يجعل أي تغيير في استخدامه تهديدًا مباشرًا لهذا الإرث الثقافي.
رئيس دائرة آثار دير الزور: “لا قرار رسمي حتى الآن”
من جانبه، أوضح رئيس دائرة آثار دير الزور أحمد الحاج صالح أن دائرته لم تتلقَّ أي قرار رسمي بشأن تحويل أجزاء من المتحف لاستخدامها من قبل وزارة التنمية.
وقال:
تفاجأنا بزيارة السيد وزير التنمية برفقة محافظ دير الزور، ودار حديث خلال الجولة عن إمكانية استخدام أجزاء من مبنى المتحف كمكاتب وقاعات تدريب. تواصلنا مع مديرية الآثار والمتاحف ووزارة الثقافة، ولم يكن لديهم علم رسمي بالأمر. يبدو أنه كان مجرد اتفاق شفهي بين الوزيرين.
نائب محافظ دير الزور: “المباني مدمرة والمتحف غير مستخدم حالياً”
في المقابل، أوضح نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ أن القرار جاء بدافع الحاجة، بسبب تضرر معظم المباني الحكومية في المحافظة، ما اضطرهم إلى تجميع عدة مديريات في مبنى واحد مثل بناء اتحاد الفلاحين الذي يضم 4 مديريات هي (مديرية الإعلام، مديرية الأوقاف، نقابة الأطباء البيطريين واتحاد الفلاحيين).
كما يضم بناء المحافظة عدة مديريات منها (قيادة الشرطة، مديرية الشؤون السياسية، مديرية الصناعة).
وقال المصلوخ:
مديرية التنمية من أهم المديريات في دير الزور، وغيابها عطّل جميع برامج التدريب والتأهيل. كما أن الموظفين يضطرون للسفر إلى حمص لإنجاز أبسط المعاملات أو الحصول على ورقيات خاصة بهم، بسبب غياب مقر للمديرية في دير الزور.
وأضاف:
اقترحنا على وزير التنمية استخدام مبنى المتحف، كونه المبنى الحكومي الوحيد المتاح حاليًا، وتم التنسيق مع وزير الثقافة لإعادة تأهيل المكاتب الإدارية فيه واستخدامها مؤقتًا إلى حين إيجاد مقر بديل، على أن يعود المتحف لاحقًا لوزارة الثقافة.
وأشار المصلوخ إلى أنه:
تم الاتفاق بين وزير التنمية الإدارية ووزير الثقافة على توقيع عقد رسمي بين الوزارتين لاحقاً، يحدد استخدام وزارة التنمية للمكاتب الإدارية داخل مبنى المتحف لفترة محددة فقط، ثم يعود المبنى بالكامل إلى وزارة الثقافة لتفعيله كمتحف من جديد.
وأكد أن مديرية التنمية ستستخدم فقط المكاتب الإدارية، وسيتم تأهيل صالات العرض، التي لا تحتوي حالياً على أي مجسمات.
وأنّ مستودعات الآثار ستبقى تحت إشراف دائرة الآثار والمتاحف، ولن تُستخدم لأي غرض إداري.
بين الرفض والتحفظ… مستقبل المتحف على المحك
في ضوء هذه التصريحات المتباينة، يبقى مستقبل المتحف الوطني في دير الزور معلّقًا بين الضرورات الإدارية الملحة، والتحذيرات من المساس بصرح ثقافي يعدّ أحد رموز الذاكرة الوطنية السورية.
ويبدو أن الحل الأمثل يتطلب مواءمة دقيقة بين الاحتياجات الإدارية والاعتبارات الثقافية، مع ضمان عدم فقدان المتحف لوظيفته التاريخية ومكانته الدولية.
نهر ميديا نهر ميديا