آخر الأخبار

طريق دير الزور – دمشق: كيف تحول إلى الطريق القاتل؟

نهر ميديا – فاطمة الهادي

يُصنف طريق دمشق–دير الزور كأحد أخطر الطرق البرية في سوريا، ليس بسبب امتداده الطويل عبر البادية السورية فحسب، بل لما يشكّله من تهديد دائم لحياة المسافرين القادمين من المحافظات الشرقية باتجاه العاصمة وبالعكس.
وخلال الأعوام الماضية، شهد الطريق تصاعدًا ملحوظًا في عدد الحوادث المرورية، أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا ومئات المصابين، في ظل تدهور واضح في البنية التحتية، وغياب الرقابة المرورية، وانعدام نقاط الإسعاف وشبكات الاتصال، الأمر الذي يحوّل أي حادث سير إلى مأساة مفتوحة على نتائج كارثية.
ولا يملك سكان دير الزور وبقية محافظات الشرق السوري خيارًا بديلًا عن هذا الطريق، إذ يُعد الشريان البري الوحيد الذي يربطهم بدمشق وحمص وباقي المحافظات، سواء لأغراض العلاج، أو التعليم، أو متابعة المعاملات الرسمية، أو العمل والتنقل. هذا الواقع يفرض على آلاف المدنيين خوض رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحوّل الانتقال من ضرورة يومية إلى مجازفة قد تنتهي بخسائر بشرية.

حوادث متكررة

في مؤشر جديد على حجم الخطورة، أعلن الدفاع المدني السوري قبل أيام عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة ثلاثة آخرين، جراء حادث تصادم بين شاحنتين على جسر المالحة في طريق دير الزور–تدمر، في حادثة تعكس جانبًا من الخطر الدائم الذي يتهدد مستخدمي هذا الطريق.
وسبق أن حصد الطريق أرواح العديد من المدنيين، من بينهم منصور حمد الضباب (30 عامًا) من مدينة دير الزور، الذي توفي إثر حادث اصطدام بين سيارته وحافلة نقل ركاب على طريق دمشق–دير الزور، أثناء عودته من ألمانيا لقضاء إجازة قصيرة مع عائلته. وبعد سنوات من الغياب، تحوّلت رحلة العودة المنتظرة إلى نهاية مأساوية، لتصبح الإجازة المرتقبة رحلة أخيرة خارج الحياة.
ويُعرف الطريق بين الأهالي باسم “طريق الموت”، نتيجة التكرار المستمر لحوادث السير عليه. ويمتد عبر مساحات شاسعة من البادية السورية، وهو طريق باتجاه واحد في معظم أجزائه، لا يتجاوز عرضه ستة أمتار، ويعاني من تهالك شديد وغياب لمقومات السلامة المرورية الأساسية، مثل الإشارات التحذيرية واللوحات الإرشادية، إضافة إلى انعدام الإنارة الليلية، وغياب نقاط الإسعاف وشبكات الاتصال، ما يزيد من خطورة التنقل عليه، ليلًا ونهارًا.

خسائر متعددة

وبفعل تكرار الحوادث المرورية على طريق دير الزور–دمشق، تحوّل الطريق الذي يمتد لأكثر من 400 كيلومتر إلى مسار شديد الخطورة، رغم كونه الشريان الوحيد الذي يعتمد عليه آلاف السكان في محافظات الشرق السوري. ويضطر المسافرون إلى سلكه لأغراض العلاج، أو متابعة المعاملات الحكومية، أو الدراسة والعمل، في رحلة لا يملكون بديلاً عنها، ما يجعل كل سفر عليه مغامرة مفتوحة على احتمالات قاسية.

وتستحضر فاطمة الحسن (42 عامًا) من مدينة دير الزور لحظة فقدان شقيقها، الذي كان في طريقه إلى دمشق لمتابعة علاج طبي، قائلة إن العائلة تلقت خبر وفاته إثر حادث تصادم قرب مدينة تدمر. وتضيف أن الشقيق كان المعيل الوحيد لأسرته، وأن الحادث لم ينهِ حياته فقط، بل خلّف صدمة نفسية ومادية قاسية لعائلته، مؤكدة أن الطريق بات مصدر خوف دائم لكل من يضطر إلى سلكه، في ظل غياب عوامل السلامة والإسعاف السريع.

غياب الرقابة المرورية

يرى جاسم حمود، وهو سائق شاحنة يبلغ من العمر 55 عامًا ويمارس المهنة منذ أكثر من عقدين، أن الحوادث المرورية على طريق دير الزور–دمشق لم تكن وليدة المرحلة الراهنة، لكنها شهدت تصاعدًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة. ويعزو ذلك إلى ازدياد حركة السفر باتجاه العاصمة، ولا سيما من قبل شبان يفتقر كثير منهم إلى الخبرة الكافية في قيادة المركبات على طريق طويل ومتهالك كهذا.
ويشير حمود إلى أن ظروف السنوات الماضية حرمت عددًا كبيرًا من هؤلاء الشبان من التنقل، سواء بسبب القيود الأمنية، أو ظروف النزوح، أو الإقامة خارج البلاد، ليجدوا أنفسهم اليوم خلف مقود مركبات حديثة، يسلكون الطريق الوحيد المتاح نحو دمشق وبقية المحافظات، في ظل غياب الرقابة المرورية وضعف إجراءات السلامة، ما يضاعف احتمالات وقوع الحوادث.

متابعة رسمية

في حديثه لـ «نهر ميديا»، أوضح المهندس عبد الكريم الخضر، مدير مديرية المواصلات الطرقية، أن طريق دير الزور–دمشق يُعد شريانًا حيويًا يربط محافظات الشرق بالعاصمة دمشق والمنطقة الوسطى، ويُستخدم يوميًا من قبل آلاف المسافرين ونقل البضائع. وأضاف أن الطريق ما يزال مفردًا باتجاهين ويعاني من تدهور في بنيته، مع انتشار الحفر وتشوهات الأكتاف، وغياب عناصر السلامة المرورية، ما يرفع احتمالية وقوع الحوادث، والتي تتضاعف بفعل السرعة الزائدة، والمناورات الخاطئة، وضعف الوعي المروري لدى بعض السائقين، إضافةً إلى تأثير الظروف الجوية وانخفاض مستوى الرؤية أحيانًا.

أما التدابير الحالية، فيوضح الخضر أنها تشمل العمل على تنفيذ خطة مرحلية لتأهيل الطريق، تشمل صيانة المقاطع المتضررة، ومعالجة الحفر والهبوطات، وتركيب شاخصات مرورية وعواكس ضوئية لتعزيز السلامة، إضافة إلى ضبط الحمولات المحورية للمركبات الثقيلة، وتشديد الرقابة المرورية عبر تفعيل الدوريات والكاميرات. كما يجري العمل على إنشاء نقاط إسعافِِ سريع في مواقع مناسبة، وتحسين تغطية شبكة الاتصالات على امتداد الطريق، بهدف تقليص حجم المخاطر والتخفيف من تكرار الحوادث.

أكد الخضر أن العمل على تنفيذ الخطة المرحلية لتحسين السلامة على طريق دير الزور–دمشق قد بدأ، وتشمل الإجراءات حالياً تفعيل الكاميرات المتنقلة، ومنها في منطقة الهريشة، وتشديد الرقابة على المركبات الثقيلة عبر مراكز مراقبة الحمولات التابعة لمديرية نقل البضائع، وأوضح أن استكمال بقية بنود الخطة سيتم خلال الفترة القادمة.

في ظل تكرار الحوادث المرورية على طريق دير الزور–دمشق، يبقى هذا المحور الحيوي اختبارًا حقيقيًا لجدية الخطط المعلنة وقدرتها على التحول إلى إجراءات ملموسة على الأرض. فسلامة هذا الطريق لم تعد مطلبًا خدميًا فحسب، بل ضرورة إنسانية عاجلة، تتطلب تسريع التنفيذ، وتعزيز الرقابة، وتحمل المسؤولية المشتركة قبل أن تُضاف أسماء جديدة إلى قائمة ضحايا “طريق الموت”.

بإمكانك البحث أيضاً عن،

داعـ.ـش يهاجم حاجزاً للأمن الداخلي غربي الرقة

نهر ميديا – دير الزور نفّذ مسلحان مجهولان من خلايا داعـ.ـش هجومًا بالأسلحة الرشاشة على …