آخر الأخبار

هل سيؤدي تأخير إعادة إعمار دير الزور إلى تغيير ديموغرافي غير مباشر؟

نهر ميديا – دير الزور

مع بدايات مرحلة مابعد سقوط نظام الأسد، واستلام الإدارة الجديدة، همت عشرات، بل مئات العوائل النازحة بالعودة إلى محافظة دير الزور.
النسبة الأعلى من العوائل العادة كانت من الشمال السوري (جرابلس، الباب، اعزاز ومنبج) وعائلات أخرى عادت من ولايات مختلفة في تركيا، والبعض من دمشق ودرعا.
آملين ببدء مرحلة جديدة وبداية لحياة متجددة بعد سقوط نظام الأسد الذي كان السبب المباشر لنزوحهم وهجرتهم.
نُظمت قوافل العودة خلال الأشهر الأولى لسقوط الأسد من أماكن النزوح إلى دير الزور، ترافقت بالاحتفالات بعودة تلك القوافل لكن فرحة العودة لم تدم طويلا، حيث شابتها عوامل عدة أدت إلى تغيير المواقف والقرارات.

العودة العكسية بعد الصدمة الأولى

ماهي إلا أيام، وبدأت العوائل العائدة إلى دير الزور تتحسس الفروق بين أماكن النزوح التي عاشوا فيها لسنوات، وبين مناطقهم التي عادوا إليها في دير الزور، ارتفاع أسعار آجارات المنازل لمن كان لا يمتلك منزلاً، أو كان منزله مدمراً يأتي في مقدمة قائمة التحديات التي تواجه العائدين، يضاف إليها أسعار المنازل لمن كان يحلم بشراء منزل جديد أو ارتفاع أسعار المواد لمن أراد إعادة إعمار منزله المهدم.
يقول أبو حسين وهو أب ل5 أطفال عاد إلى دير الزور مطلع العام الحالي بعد سنوات قضاها في مدينة الباب بريف حلب:
“عدت إلى دير الزور بعد نزوح دام ٨ أعوام، وجدت منزلي في حيّ الحميدية مدمرا فاضطررت لاستئجار منزلا في حيّ القصور مكون من غرفتين بمبلغ مليون ومئتي ألف، رغم أنه لا يحتوي عائلتي الكبيرة إلا أنّ ارتفاع أسعار الآجارات أجبرني على القبول به”
ويضيف:
رغم سوء وضع المنزل الذي استأجرته إلا أن صاحبته طلبت مني بعد 3 شهور رفع الآجار لمليون و500 ألف ليرة الأمر الذي دفعني للبحث عن منزل جديد وهنا بدأت الصدمة من جديد فالآجارات لمنزل مناسب لحجم عائلتي لا يقل عن 150 دولارا وهذا مبلغ لا أستطيع تحمله، الآن قررت العودة إلى ريف مدينة الباب أو جرابلس فهناك الأسعار منخفضة وبإمكاني العيش”!

شمال سوريا القبلة الأولى

تجربة أبو حسين يمكن تعميمها على عشرات العوائل، ليس في مدينة دير الزور وحدها، بل في ريفها أيضا، فأكثر من عشرين عائلة من مدينة القورية كانت تعيش تعيش في جرابلس بريف حلب عادت إلى القورية بعد التحرير، لم تستطع التأقلم وعادت من جديد إلى جرابلس في عودة عكسية لعدة أسباب.
ومن مدينتي العشارة والبصيرة شرقي دير الزور، عادت عشرات العائلات أيضا إلى مدن جرابلس، الباب، منبج واعزاز ومناطق في إدلب، يقول أبو محمود بعد أن سألناه عن تجربته بالعودة لدياره ومن ثم العودة لمناطق كان نازحا فيها.
“بعد التحرير، عدت إلى مدينتي البصيرة، ووجدت منزلي مدمرا، حالي حال الآلاف من أبناء محافظتي، لكن المفارقة كانت أنّ آجار المنازل في دير الزور عامة يكاد يساوي 3 أو 4 أضعاف أسعار آجارات المنازل في ريف حلب، مادفعني للعودة إلى جرابلس بعد نحو شهرين، فهناك كنت مستئجرا بمبلغ 20 دولارا شهريا بينما في دير الزور السعر مضاعفا على الأقل.

الخدمات وسبل العيش سببا آخر

إلى جانب العوامل الأمنية والسياسية، شكّلت الخدمات وسبل العيش سبباً رئيسياً في موجات الهجرة التي شهدتها محافظة دير الزور خلال السنوات الماضية. فقد عانت المحافظة من دمار واسع طال البنية التحتية والمؤسسات العامة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة السكان اليومية ودفع كثيراً من الأهالي، ولا سيما الشباب والعائلات، إلى البحث عن بيئة أكثر استقراراً داخل سوريا أو خارجها.
ففي قطاع الكهرباء، تعاني مناطق واسعة من انقطاع التيار لساعات طويلة، مع ضعف شبكات التوزيع وارتفاع تكاليف البدائل مثل المولدات والألواح الشمسية، ما جعل تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة أمراً مرهقاً للأسر. أما قطاع المياه، فقد تأثر بتضرر محطات الضخ وشبكات الصرف، إضافة إلى تلوث بعض مصادر المياه، الأمر الذي زاد من الأعباء الصحية والمعيشية على السكان.
كما شهد القطاع الصحي تراجعاً حاداً نتيجة خروج عدد كبير من المشافي والمراكز الطبية عن الخدمة، ونقص الكوادر والأدوية والتجهيزات، ما جعل الحصول على الرعاية الصحية الأساسية تحدياً يومياً، خاصة للمرضى والأطفال. ولم يكن التعليم أفضل حالاً، إذ تضررت مدارس كثيرة، وازدادت نسب التسرب المدرسي بسبب الفقر والنزوح وضعف الإمكانات التعليمية، ما ولّد شعوراً لدى كثير من العائلات بانعدام مستقبل واضح لأبنائها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تراجعت فرص العمل بشكل كبير نتيجة تدمير الأسواق والمنشآت وتوقف العديد من الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية. ومع ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الدخل وغلاء المعيشة، وجد كثير من أبناء المحافظة أنفسهم عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، فكانت الهجرة بالنسبة للبعض خياراً اضطرارياً لا رغبةً شخصية.
لذلك، يمكن القول إن عدم توفر المسكن بسبب الدمار الهائل في المحافظة، وتدهور الخدمات الأساسية وغياب مقومات الحياة الكريمة لعبت دوراً محورياً في دفع سكان دير الزور إلى الهجرة، حيث ارتبط قرار المغادرة لدى كثيرين بالسعي نحو الأمان الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وفرص مستقبل أفضل.

دمشق وريفها… قبلة السكن الجديدة لأبناء دير الزور

شهدت السنوات الأخيرة انتقال أعداد كبيرة من العوائل الديرية إلى دمشق وريفها، بعد عودتها إلى سوريا من دول اللجوء كأوروبا وتركيا ولبنان، أو بعد عودتها من مناطق النزوح الداخلي في الشمال السوري، وحتى من مناطق سيطرة “قسد”.
لكن كثيراً من هذه العوائل اصطدم بواقع اقتصادي وخدمي صعب داخل محافظة دير الزور، تمثل بضعف فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة تأمين السكن والخدمات الأساسية، الأمر الذي دفعها مجدداً للبحث عن مناطق توفر الحد الأدنى من مقومات الاستقرار.
ومع محدودية الخيارات، تحولت دمشق وريفها إلى الوجهة الأولى للكثير من أبناء دير الزور، لما توفره من فرص عمل أكبر نسبياً، وتنوع في الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى وجود بيئة خدمية أفضل مقارنة ببعض المناطق الشرقية.
فاليوم تنتشر مئات العوائل الديرية في مناطق ريف دمشق مثل: قطنا، صحنايا، الكسوة، حرستا، المعضمية، دوما وغيرها، حيث بدأت هذه العائلات بتشكيل مجتمعات صغيرة مترابطة، حافظت فيها على عاداتها وروابطها الاجتماعية رغم ظروف النزوح والغربة الداخلية.
ولم يقتصر الأمر على دمشق وريفها فقط، إذ اتجهت بعض العائلات إلى حمص ومناطق الساحل السوري ودرعا، سعياً وراء فرص العمل والاستقرار وتأمين مستقبل أفضل لأبنائها، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد عموماً ومحافظة دير الزور على وجه الخصوص.

حلم العودة إلى دير الزور يواجه الواقع

شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا واضحًا في سلوك قسم كبير من العائلات الديرية النازحة، فبعد أن كان حلم العودة إلى دير الزور حاضرًا بوصفه هدفًا مؤقتًا ومؤجلًا، بدأت الأولويات تتغير تدريجيًا تحت ضغط الواقع الاقتصادي والأمني والخدمي المعقد في المحافظة. كثير من العائلات التي خرجت من دير الزور خلال سنوات الحرب لم تعد ترى في العودة خيارًا عمليًا، بل باتت تتعامل معها بوصفها منطقة طاردة للحياة والاستقرار، مهما بقيت فيها من روابط عاطفية وذكريات وانتماء.
ولهذا، صار عدد متزايد من العائلات يقصد دمشق أو مدن الشمال السوري بشكل مباشر من بلدان اللجوء أو من مناطق النزوح، دون المرور بدير الزور حتى على سبيل التجربة. فقبل اتخاذ قرار العودة، تقوم هذه العائلات بالسؤال عن واقع المحافظة: هل توجد فرص عمل؟ هل الكهرباء والمياه والتعليم متاحة؟ هل هناك استقرار أمني فعلي؟ وهل يمكن بناء حياة جديدة وسط الدمار وارتفاع الأسعار وانتشار النفوذ العسكري والانقسامات؟ وغالبًا ما تأتي الإجابات محبطة، ما يدفعهم إلى اختيار مناطق أخرى يرون فيها حدًا أدنى من مقومات الحياة.
في المقابل، هناك مئات العائلات التي لم تعد تفكر أصلًا بالعودة، لا الآن ولا في المستقبل القريب. هذه العائلات بدأت تبني وجودًا طويل الأمد في أماكن نزوحها، سواء في الشمال السوري أو في دمشق وريفها أو حتى خارج البلاد. الأبناء دخلوا المدارس والجامعات، وبعضهم بدأ العمل وتكوين علاقات اجتماعية جديدة، ما جعل فكرة “العودة المؤقتة” تتحول تدريجيًا إلى “استقرار دائم”. ومع مرور الوقت، تصبح العودة أكثر صعوبة نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، خصوصًا لدى الجيل الجديد الذي لم يعش دير الزور كما عاشها آباؤه.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن الواقع القاسي الذي تعيشه المحافظة منذ سنوات. فدير الزور تعاني من تدهور اقتصادي حاد، وضعف في الخدمات الأساسية، وغياب مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني وتعدد القوى المسيطرة ومناطق النفوذ. كما أن الكثير من العائدين اصطدموا بصعوبات تتعلق بالسكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وندرة فرص العمل، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالملاحقات الأمنية أو التجنيد أو النزاعات المحلية.

إلى جانب ذلك، يبرز الحديث المتزايد عن التغيير الديموغرافي كأحد العوامل التي تعمّق شعور أبناء دير الزور بالقلق والاغتراب عن مدينتهم. فسنوات النزوح الطويلة، وغياب قسم كبير من السكان الأصليين، ودخول مجموعات سكانية جديدة إلى بعض المناطق، وتبدل موازين النفوذ الاجتماعي والعسكري، كلها عوامل خلقت إحساسًا لدى كثير من الديريين بأن المحافظة لم تعد كما كانت، لا من حيث البنية الاجتماعية ولا من حيث الهوية المحلية التي ميّزتها لعقود.

ومع استمرار هذا الواقع، يبدو أن دير الزور تواجه خطرًا حقيقيًا يتمثل بخسارة جزء كبير من نسيجها السكاني الأصلي، ليس فقط بسبب الهجرة المؤقتة، بل بسبب تشكل قناعة متزايدة لدى أبنائها بأن بناء مستقبل مستقر قد يكون ممكنًا في أي مكان آخر أكثر مما هو ممكن في مدينتهم نفسها.

هذا الواقع يعكس حجم التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي فرضتها سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، ولا سيما في دير الزور التي نالت النصيب الأكبر من الدمار على مختلف المستويات، بدءاً من تهدم الأحياء والبنى التحتية، وصولاً إلى تراجع القطاعات الخدمية والمعيشية. وفي ظل هذا المشهد، باتت الهجرة الداخلية خياراً اضطرارياً للكثير من السوريين الباحثين عن الحد الأدنى من الاستقرار والأمان المعيشي قبل أي اعتبار آخر، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة على التركيبة السكانية والواقع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار المجتمعي في المستقبل.

بإمكانك البحث أيضاً عن،

الصليب الأحمر يُبلغ ذوي معتقلين من أبناء دير الزور بوجودهم في سجون داخل العراق

نهر ميديا – دير الزور أفاد مراسل شبكة نهر ميديا بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر …