ياسر العيسى/ حمزة البدر بالاشتراك مع justice info -Fondation Hirondelle
بدأ كل شيء، وليس من المستغرب، في دير الزور؛ المدينة المفصلية في شرق سوريا التي دُمِّر جزء كبير منها جراء المعارك بين فصائل المعارضة وحكومة الأسد والجهاديين. وتتمحور الحركة التي انطلقت في 10 حزيران/يونيو حول مطلب رئيسي هو: تطبيق العدالة الانتقالية.
ومنذ ذلك الحين، تتابع السلطات السورية بقلق خروج المواطنين إلى الشوارع في تدمر وحلب وإدلب واللاذقية ودمشق، احتجاجاً على إعادة دمج شخصيات من النظام السابق في مؤسسات الدولة، ومطالبةً الحكومة بالوفاء بالوعود التي قُطعت قبل عام عند إنشاء لجنتين وطنيتين لا تزالان بطيئتين في الانطلاق والعمل.
وفي الوقت الذي تعقد فيه السلطات المحلية «تفاهمات» مع المحتجين، بدأت المحاكمات في دمشق تتسارع بشكل ملحوظ. فقد عُقدت جلسة جديدة يوم الثلاثاء في قضية عاطف نجيب، ويوم الأربعاء في قضية وسيم الأسد، ويوم الخميس في قضية أحمد بدر الدين حسون. وجميعهم شخصيات من النظام السابق اعتُقلت خلال عام 2025. كما جرى الحديث عن وعود بإنشاء محاكم خاصة في المحافظات، وفقاً للمحامي الحقوقي المعتصم الكيلاني.
رفض «إعادة تأهيل» رموز النظام السابق
بدأت الحركة في 10 حزيران/يونيو بمسيرة شعبية نظمها ثوار سابقون، انطلقت من دوار السبع بحرات باتجاه دوار الساعة وسط مدينة دير الزور.
وجاءت المظاهرة عقب نشر مقطع مصور صباح ذلك اليوم يُظهر وصول شخصيات معروفة بدعمها لنظام الأسد إلى دير الزور، برفقة دورية أمنية تابعة لوزارة الداخلية.
ويطالب المحتجون الحكومة بوقف ما يصفونه بـ«إعادة تأهيل الشبيحة» و«رموز النظام السابق». ويُقصد بالشبيحة المجموعات المسلحة التي كانت تعمل خارج إطار القانون، ولجأت إلى العنف والابتزاز لخدمة شخصيات نافذة في نظام الأسد.
في اليوم الأول، لم يتلقَّ المحتجون أي استجابة رسمية، إذ لم يحضر أي مسؤول حكومي للاستماع إليهم، ما دفعهم إلى تحويل تجمعهم إلى اعتصام مفتوح أطلقوا عليه اسم «اعتصام الكرامة». ونُصبت خيمة الاعتصام في دوار حمود العبد قبل نقلها لاحقاً إلى ساحة السبع بحرات لتخفيف تأثيرها على حركة المرور.
واستضافت الخيمة شخصيات محلية بارزة، من بينها قادة سابقون في الجيش السوري الحر، ومشاركون في انتفاضة عام 2011، وعدد من أعضاء مجلس الشعب، إضافة إلى ذوي ضحايا.
دير الزور.. معقل ثوري
منذ آذار/مارس 2011، شهدت دير الزور حركة احتجاجية سلمية استلهمت أجواء «الربيع العربي». ومع القمع العنيف، تحولت الاحتجاجات إلى حركة مسلحة. وحتى نهاية عام 2024، خضعت المحافظة لسيطرة قوى متعددة، ما أدى إلى تقسيمها إلى مناطق نفوذ تعاقب أو تزامن على إدارتها الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية، وقوات سوريا الديمقراطية، وقوات النظام المدعومة من الميليشيات الإيرانية والجيش الروسي.
وقبل الثورة، كان عدد سكان المحافظة يقارب مليوناً ونصف المليون نسمة، بينهم نحو 350 ألفاً في مدينة دير الزور. ويُقدَّر عدد القتلى بالآلاف، رغم عدم وجود إحصاءات رسمية أو توثيق شامل يغطي كامل المحافظة. أما حجم الدمار في مدينة دير الزور وحدها، فيُقدَّر بنحو 70%.
ولم يُطلق حتى الآن أي برنامج واسع النطاق لإعادة الإعمار، باستثناء بعض المشاريع المحدودة المدعومة من منظمات دولية. ورغم عودة عدد من السكان إلى المدينة، فإن أعدادهم لا تزال محدودة بسبب حجم الدمار الكبير.
تخريب خيمة الاعتصام واستجابة رسمية
في 11 حزيران/يونيو، دعا المحتجون إلى فعالية جديدة أطلقوا عليها اسم «جمعة الكرامة». وانطلقت مظاهرة من مسجد الفتح باتجاه خيمة الاعتصام.
وبعد يومين، تعرّضت الخيمة للتخريب على يد مجهولين. إلا أن المعتصمين أعادوا بناءها بعد ساعات، مؤكدين أن الحادثة لن توقف حركتهم بل ستزيدهم إصراراً.
وشهد 14 حزيران/يونيو أول تحرك رسمي، حين زار نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ خيمة الاعتصام، والتقى منظميها وتسلم نسخة من مطالبهم. وفي اليوم التالي عُقد اجتماع ضم المصلوخ ورئيس مديرية الأمن الداخلي العميد حذيفة السوا وممثلين عن المحتجين.
وعقب الاجتماع، تعهدت السلطات بالعمل على تلبية مطالب المواطنين. وعلى إثر ذلك، أعلنت اللجنة المنظمة لـ«اعتصام الكرامة» إنهاء الاعتصام، موضحة أن القرار جاء حرصاً على أمن واستقرار المحافظة، وأن لجنة خاصة شُكلت لمتابعة تنفيذ التعهدات.
ومنذ ذلك الحين، لم تُنظم أي مظاهرات جديدة، في انتظار وفاء السلطات بوعودها خلال المهلة المحددة بشهر واحد.
مخاوف وتحذيرات
يتهم أسعد جويش، عضو اللجنة المنظمة للاعتصام والقائد السابق في الجيش السوري الحر، السلطات بإبداء تساهل كبير تجاه مجرمي الحرب، ولا سيما بعض القادة الذين يؤكد أنهم عادوا إلى المحافظة.
ويحذر جويش من عواقب ذلك، معتبراً أنه قد يؤدي إلى نتائج كارثية على البلاد. لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الحركة الاحتجاجية لا تعارض السلطات الجديدة، قائلاً: «نحن ندعمها بالكامل، لكننا نرى أن سياساتها يجب أن تبقى خاضعة للضغط الشعبي».
ومن أبرز ما ميّز الاعتصام مشاركة شخصيات معروفة باعتدالها، من بينها الدكتور أنس الفتيح، أحد أبرز وجوه المعارضة لنظام الأسد السابق في المدينة. وقد حذر منذ 11 حزيران/يونيو من التأخير الكبير في تطبيق العدالة الانتقالية، معتبراً أن السلطات تواجه خياراً بين «محاسبة الشبيحة على أفعالهم أو مواجهة صدام بين مكونات المجتمع».
كما دعا أُبيّ علوان، أحد منظمي الاعتصام، إلى «احترام مشاعر الناس ومراعاة معاناتهم»، مؤكداً أن العدالة الانتقالية يجب أن تسبق إعادة الإعمار، ومحذراً من اندلاع احتجاجات واسعة إذا تجاهلت السلطات مطالب المحتجين.
تأخر العدالة الانتقالية وتراكم الإحباط
قبل عام، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مراسيم تقضي بإنشاء لجنتين للعدالة الانتقالية، إلا أن عملهما لا يزال بطيئاً.
ويقول أحمد حلزوما، عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إنه تابع الحركة الاحتجاجية في دير الزور منذ يومها الأول، معتبراً أنها جاءت نتيجة التأخر في إصدار قانون العدالة الانتقالية، الذي لا يزال إقراره مرتبطاً بتشكيل البرلمان.
ويرى حلزوما أن هذا التأخير يتفاقم بسبب السلوك الاستفزازي لبعض الأشخاص الذين يتصرفون وكأنهم بمنأى عن الملاحقة القضائية.
وفي 29 أيار/مايو، زار الرئيس أحمد الشرع دير الزور بعد ارتفاع منسوب مياه الفرات وحدوث فيضانات ألحقت أضراراً بالأراضي الزراعية والمنازل والبنية التحتية. وخلال الزيارة، أمر ببدء إعادة تأهيل الجسر الرئيسي، والتقى عدداً من وجهاء المدينة. غير أن مشاركين سابقين في انتفاضة 2011 أكدوا أن محاولاتهم للقاء الرئيس وعرض مطالبهم عليه لم تنجح.
أما الصحفي والناشط أحمد اليساوي، المقيم في دير الزور، والذي عمل مع وسائل إعلام معارضة للأسد، فقد تابع الاعتصام عن كثب، ويرى أن الحركة جاءت نتيجة تراكم الإحباطات والمخاوف الحقيقية المرتبطة بمسار العدالة.
ويعتقد اليساوي أن المشكلة تعود إلى غياب الشفافية وضعف التواصل، إذ يشهد مسار العدالة الانتقالية فجوة عميقة وغياباً شبه كامل للحوار الفعال مع المواطنين، ما يترك الرأي العام في حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مصير حقوق الضحايا.
وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد، يرى أن الإجراءات المتخذة حتى الآن «لا تزال أقل بكثير من حجم التضحيات التي قدمها السوريون، كما أن الخطوات المتخذة ما تزال مترددة ولا ترقى إلى تطلعات السكان».
ويضيف أن استمرار توظيف عناصر من الشبيحة ووجود شخصيات مقربة من النظام السابق داخل الإدارة، من دون أي تدقيق أو إجراءات للمساءلة القانونية والأخلاقية، يعرقلان أي تقدم نحو التغيير وإعادة بناء الثقة.
ويُعد «اعتصام الكرامة» أول حركة احتجاجية منظمة بهذا الحجم في دير الزور منذ التحولات السياسية الأخيرة في سوريا، ويأتي في سياق تصاعد المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتطبيق العدالة الانتقالية بصورة فعلية.
المطالب الثمانية لمحتجي دير الزور:
1-محاسبة الشبيحة وطردهم من المحافظة ومنع عودتهم، وإبعاد كل من دعم النظام السابق أو خدمه.
2-استبعاد عناصر النظام السابق من الجيش والأجهزة الأمنية، وتعزيز دور قدامى مقاتلي الجيش السوري الحر.
3-توفير الدعم التعليمي وفرص العمل لـ«أبناء الثورة» الذين اضطروا إلى ترك الدراسة بسبب الحرب.
4-ضمان تقديم المخصصات والرعاية الصحية والخدمات الأساسية لأبناء الثوار.
5-إعادة الموظفين المفصولين بسبب مشاركتهم في الثورة إلى وظائفهم فوراً.
6-إنشاء مكتب متخصص للمفقودين لمتابعة قضاياهم وتقديم الدعم المادي والمعنوي لأسرهم.
7-تأسيس مكتب لرعاية المحاربين القدامى والعمل على توثيق تاريخ الثورة السورية.
8-ضمان الشفافية في محاكمات المتعاونين، ومكافحة الفساد، ووضع حد لسياسة المحسوبية.
نهر ميديا نهر ميديا