نهر ميديا – فاطمة الهادي
لم يكن الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار 2025 مجرد وثيقة قانونية عابرة، بل لحظة وُعد فيها السوريون بانتقال نحو دولة تحترم الإنسان، وتصون حرياته، وتضع القانون فوق الجميع. نصوص واضحة تحدثت عن الحرية الشخصية، وعن حق الأفراد في اختيار أسلوب حياتهم، والتعبير عن آرائهم دون خوف. لكن الواقع الذي يتشكل اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: أين تقف هذه الوعود من الممارسات الجارية؟
في عدد من المدن السورية، تتزايد قرارات إدارية تمس تفاصيل الحياة اليومية بشكل مباشر. من قيود على بعض الأنشطة، إلى تدخلات في المظهر العام، وصولاً إلى محاولات تنظيم سلوك الأفراد خارج إطار القانون الواضح. ما يجمع هذه الإجراءات ليس فقط طبيعتها، بل المبرر الذي تُبنى عليه: “الحفاظ على النظام العام”.
هنا تحديداً تكمن الإشكالية. فـ”النظام العام”، بوصفه مفهوماً قانونياً، يفترض أن يكون محدداً بضوابط واضحة، لا أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للتفسير. وعندما يُستخدم بهذا الشكل الفضفاض، يصبح أداة تسمح للسلطة التنفيذية بالتدخل في حياة الأفراد دون سقف حقيقي أو رقابة فعالة.
المسألة لم تعد مرتبطة بقرار بعينه، بل بالاتجاه الذي تتخذه هذه القرارات مجتمعة. اتجاه يُعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث لا تكتفي الدولة بتنظيم الشأن العام، بل تمتد لتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض في حياة الناس الخاصة. في مجتمع متنوع مثل المجتمع السوري تبدو هذه المقاربة إشكالية أكثر من غيرها. فالتنوع ليس استثناءً، بل هو القاعدة.
أنماط العيش، القناعات، والخيارات الشخصية تختلف من بيئة إلى أخرى، بل ومن فرد إلى آخر. ومحاولة صبّ هذا التنوع في قالب واحد لا تعكس قوة الدولة، بقدر ما تكشف عن رغبة في الضبط بدل الفهم.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من السياسات لا يتوقف عند حدود السلوك، بل يمتد تدريجياً ليطال مساحة التعبير أيضاً. فمع اتساع مفهوم “النظام العام”، يصبح الاعتراض عليه قابلاً للتأويل، وقد يُنظر إليه كخروج عن القواعد، لا كحق مشروع. وهنا تبدأ مساحة الصمت بالاتساع، لا لأن الناس مقتنعون، بل لأن كلفة الكلام أصبحت أعلى.
قد يُبرر البعض هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية في مرحلة انتقالية، أو وسيلة لضبط الفوضى. لكن التجارب تُظهر أن ما يبدأ كحل مؤقت، يتحول سريعاً إلى نهج دائم، خاصة في غياب حدود قانونية واضحة تضبطه.
المفارقة أن هذا المسار يتناقض مع جوهر النصوص الدستورية التي وُعد بها السوريون. فبدلاً من أن تكون هذه النصوص مرجعية تحمي الأفراد، يجري الالتفاف عليها عبر ممارسات تنفيذية تعيد تعريف الحرية بما يتناسب مع قرارات آنية.
السؤال اليوم لم يعد قانونياً فقط، بل وجودياً أيضاً: أي نموذج دولة يتشكل في سورية؟ هل هي دولة تُصان فيها حقوق الأفراد باعتبارهم مواطنين، أم دولة تُدار فيها حياة الناس عبر تعليمات متغيرة؟
في النهاية، لا يمكن الحديث عن سيادة القانون في ظل غياب حدوده الواضحة. كما لا يمكن بناء مجتمع متماسك عبر فرض نمط واحد على الجميع. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تحدد لهم كيف يعيشون، بل تضمن لهم حق الاختلاف. وما بين النصوص التي تعد بالحرية، والممارسات التي تقيدها، يبقى الفارق واضحاً، فإما دولة تحمي الإنسان، أو سلطة تعيد تشكيله على صورتها.
نهر ميديا نهر ميديا